فهرس الكتاب
[حديث: أنا سيد القوم يوم القيامة]
3340# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ) : هو بفتح الحاء المُهْمَلَة، وتشديد المُثَنَّاة تحت [1] ، واسمه يحيى بن سعيد بن حَيَّان، وجدُّه [2] ككنيته، يروي عن أبي زرعة والشعبيِّ، وعنه: يحيى بن سعيد القَطَّان وأبو أسامة، مات سنة (145 هـ) ، إمامٌ ثبت، أخرج له الجماعة.
قوله: (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) : تَقَدَّمَ مرارًا أنَّه اسمه هرم، وقبل ذلك، ابن عَمرو بن جرير بن عبد الله البَجَليُّ.
قوله: (فِي دَعْوَةٍ) : هي بفتح الدال: الطعام المدعوُّ إليه، ودِعوة النَّسَب: بالكسر، كذا لكافَّة العرب إلَّا عديَّ الرِّباب _بكسر الراء_ فإنَّهم يعكسون الأمر، فيكسرون دِعوة الطعام، وتفتح في النسب.
قوله: (فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ) : (الذراع) : يؤنَّث ويُذَكَّر، وجاء هنا: (فرُفِعَ) على التذكير، وأيضًا لو لم يجز إلَّا التأنيث؛ لكان هذا جائزًا؛ لأنَّ الفعل تَقَدَّمَ، وليس للمذكور فَرْجٌ حقيقيٌّ، والله أعلم.
قوله: (فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً) : هما بالسين المُهْمَلَة، والمُعْجَمَة [3] للأصيليِّ، ومعناهما واحدٌ، وقيل: بالمُهْمَلَة: الأخذ بأطراف الأسنان، وبالمُعْجَمَة: بالأضراس، وقال الخَطَّابيُّ بالعكس، وقال ثعلبٌ: النهس: سرعة الأكل.
قوله: (بِمَ [4] ؟ يَجْمَعُ) : كذا في هامش أصلنا، وعليها علامة راويها، وفي الأصل (بمَن) ، ولها وجهٌ؛ وهو أن يكون على الاستفهام، والله أعلم.
قوله: (فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) : (الصَّعيد) : وجه الأرض.
قوله: (فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ) : (يُبصِرهم) : بضَمِّ أوَّله؛ لأنَّه رُباعيٌّ، و (الناظرُ) : مَرْفُوعٌ فاعلٌ، والضمير في (يبصرهم) : مفعول.
قوله: (وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي) : (يُسمعهم) : بضَمِّ أوَّله، رُباعيٌّ أيضًا، و (الداعي) : فاعلٌ، والضمير في (يُسمعهم) : مفعولٌ.
قوله: (أَلَا تَرَوْنَ) : هي التي للاستفتاح، بفتح الهمزة، وتخفيف اللام.
قوله: (إِلَى مَا بَلَغَكُمْ) : الظاهر أنَّه يجيء فيه ما يأتي [في] : (وَمَا بَلَغَنَا) .
قوله: (وَمَا بَلَغَنَا) : هو بفتح الغين، هذا هو الصحيح، وكذا هو مضبوطٌ في أصلنا بالقلم ليس غير، وقال النَّوويُّ في «شرح مسلم» : وضبطه بعض المُتَأخِّرين بالفتح والسكون، وله وجهٌ، لكنَّ الصحيح ما تَقَدَّمَ؛ يعني: الفتح.
قوله: (وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ) : (الشجرة) : هي المذكورة في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] ؛ أي: الضَّارِّين بأنفسكم، و (الظلم [5] ) : وضع الشيء في غير موضعه، وهي شجرة الكَرْم، وقيل: السنبلة، وقيل: شجرة العلم، عليها معلوم الله من كلِّ لون وطعم، وقال شيخنا: ذكر الماورديُّ: أنَّها البُرُّ [6] ، وقيل: التين، وقيل: الكافور، وقيل: الكَرْم، وقيل: العلم؛ وهو علم كلِّ شيء، وقيل: ما لم يُعلَم، وقيل: شجرة الخلد التي كانت تأكل منها الملائكة، انتهى، وقوله: (تأكل منها الملائكة) فيه وقفةٌ، وقد قَدَّمْتُ ذلك _والله أعلم_ في (ذكر الملائكة) .
قوله: (فَعَصَيْتُهُ) : اعلم أنَّه اختَلَف العلماءُ؛ هل وقع من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين [7] بعد النبوَّة صغائرُ الذنوب يؤاخَذُون بها، ويعاتَبون عليها، ويُشفِقُون على أنفسهم منها، أم لا؟ بعد اتِّفاقهم على أنَّهم معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي تُزرِي بفاعلها، وتحطُّ منزلته، وتُسقِط مروءَته، إجماعًا عند القاضي أبي بكر، وعند الأستاذ أبي بكر: أنَّ [8] ذلك مقتضى دليل المعجزة، وعند المعتزلة: أنَّ ذلك مقتضى دليل العقل، على أصولهم، وقال الطَّبَريُّ وغيره من الفقهاء والمتكلِّمين والمحدِّثين: تقع الصغائر منهم، خلافًا للرافضة؛ حيث قالوا: إنَّهم معصومون من جميع ذلك كلِّه، واحتجُّوا بما وقع من ذلك في التنزيل، وثبت من تنصُّلهم من ذلك في الحديث، وهذا ظاهِرٌ لا خفاء به، وقال جمهورٌ من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشَّافِعيِّ: إنَّهم معصومون من الصغائر كلِّها؛ كعصمتهم من الكبائر أجمعِها؛ لأنَّا أُمِرنا باتِّباعهم في أفعالهم وأقوالهم وآثارهم وسيَرهم أمرًا مطلقًا من غير التزام قرينةٍ، فلو جوَّزنا عليهم الصغائرَ؛ لم يمكن الاقتداءُ بهم؛ إذ [9] ليس كلُّ فعلٍ مِن أفعالهم يتميَّز بقصده من القربة، والإباحة والحظر، أو المعصية، ولا يصحُّ أن يُؤمَر المرءُ بامتثال أمرٍ لعلَّه معصيةٌ، لا سيَّما مَن يرى تَقَدُّمَ الفعل على القول إذا تعارضا مِن الأصوليِّين.
قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينيُّ: واختلفوا في الصغائر، والذي عليه الأكثرون: أنَّ ذلك غير جائز عليهم، وصار بعضهم إلى تجويزها، ولا أصل لهذه المقالة، وقال بعض المُتَأخِّرين ممَّن ذهب إلى القول الأوَّل: والذي ينبغي أن يُقال أنَّ الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن أنفسهم، وتنصَّلوا منها [10] ، واستغفروا منها، وكلُّ ذلك ورد في مواضعَ كثيرةٍ لا تقبل التأويل جملتُها وإن قبل ذلك آحادها، وكلُّ ذلك ممَّا لا يزري بمناصبهم، وإنَّما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور، وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي إلى غيرهم حسنات، وفي حقِّهم غيرُ ذلك بالنسبة إلى مناصبهم وعلوِّ أقدارهم؛ إذ [11] قد يُؤاخَذ الوزير بما يُثَاب عليه السائس، فأشفَقُوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة، وقال: هذا هو الحقُّ، ولقد أحسن الجُنَيد رحمة الله عليه [12] حيث قال: حسنات الأبرار سيِّئات المُقَرَّبين، فهم صلى الله عليهم وسلم [13] وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع شيءٍ منهم؛ فلم يُخِلَّ ذلك بمناصبهم، ولا قَدَحَ في رُتَبِهم [14] ، بل قد تلافاهم، واجتباهم [15] ، وهداهم، ومدحهم، وزكَّاهم، واختارهم، واصطفاهم، صلوات الله وسلامه عليهم، والذي ينبغي أن يُعتَقدَ [16] : أنَّهم معصومون من الكبائر والصغائر قبل النبوَّة وبعدها، وأنَّ ما ورد في ظاهر القرآن أو السُّنَّة كلُّه [17] قد أُجِيب عنه، وكان الأَولى والأحسنُ بنا الكفَّ [18] عن الكلام والخوضِ في هذه المسألة، والله [19] المُوَفِّق.
تنبيهٌ: هذا القول في الشفاعة العظمى في إراحة الناس إلى الحساب، وإلَّا؛ فقد جاء أنَّ الله عزَّ وجلَّ يُشَفِّع آدمَ يوم القيامة في ذرِّيته في مئةِ ألفِ ألفٍ وعَشَرة آلافِ ألفٍ؛ كما رواه الطَّبَرانيُّ من حديث أنسٍ بإسناد ضعيف، والله أعلم، وقد ذكره الذَّهَبيُّ [20] في «ميزانه» في ترجمة يزيد بن أبان الرَّقاشيِّ، قال الذَّهَبيُّ: لا نعرف هذا إلَّا عند التَّبُوذكيِّ _يعني: موسى بن إسماعيل_: حدَّثنا نوح بن [21] قيس عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسٍ مرفوعًا ... ؛ فذكره، انتهى.
قوله: (أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ [22] الأَرْضِ) : قال المازريُّ: قد ذكر المؤرِّخون أنَّ إدريسَ جدُّ نوحٍ، فإن قام دليلٌ على أنَّ إدريسَ أُرسِل أيضًا؛ لم يصحَّ قولُ النسَّابين: إنَّه قبل نوح؛ لإخبار النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عن آدم أنَّ نوحًا أوَّلُ رسول بعثه الله، وإن لم يَقُمْ دليلٌ؛ جازَ ما قالوه، وصحَّ أن يُحمَل أنَّ إدريسَ كان نبيًّا غيرَ مُرسَل، قال القاضي عياض: وقد قيل: إنَّ إدريس هو إلياس، وإنَّه كان نبيًّا في بني إسرائيل_كما جاء في بعض الأخبار_ مع يوشع بن نون، فإن كان هكذا؛ سقط الاعتراض، وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى مَن معهما وإن كانا رسولين، فإنَّ آدم إنَّما أُرسِل لبنيه، ولم يكونوا كُفَّارًا، بل أُمِرَ بتبليغهم الإيمان وطاعةَ الله، وكذلك خَلَفَه شيث بعده فيهم، بخلاف رسالة نوحٍ إلى كُفَّار أهل الأرض، قال القاضي: وقد رأيت أبا الحسن بن بَطَّالٍ ذهب إلى أنَّ آدم ليس برسول؛ ليسلم من هذا الاعتراض، وحديث أبي ذرٍّ الطويل ينصُّ على أنَّ آدمَ وإدريسَ رسولان، هذا آخر كلام القاضي، وحديث أبي ذرٍّ المشار إليه قال شيخنا: أخرجه بطوله ابن حِبَّانَ، انتهى، وقد تَقَدَّمَ ذلك في أوَّل هذا التعليق.
قوله: (فَأَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ) : إن قيل: كم مقدار هذه السجدة؟ فالجواب: أنَّها مقدار جمعة، كذا في «مسند أحمد» من حديث أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، ولفظه: (فيخرُّ ساجدًا قدر جمعة، [ويقول الله عزَّ وجلَّ: ارفع رأسك، وقُلْ؛ يُسمَع، واشفَعْ؛ تُشفَّع، قال: فيرفع رأسه، فإذا نظر إلى ربِّه عزَّ وجلَّ؛ خرَّ ساجدًا قدر جمعة أخرى] [23] ، فيقول الله عزَّ وجلَّ: ارفعْ رأسك، وقُلْ؛ يُسمَع، واشفَعْ؛ تُشفَّع، فيذهب ليقع ساجدًا، فيأخذ جبريل صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم [24] بضَبْعَيه، فيفتح الله عليه من الدعاء ما لم يفتحه على بشرٍ ... ) ؛ الحديث، ففي هذا الحديث: أنَّ مقدار السجدة الأولى والثانية كلُّ واحدةٍ مقدار جمعة، وقد جاء في بعض الأجزاء زيادة؛ وهو: مقدار كلِّ يوم مقدارُ عشر سنين، وسأذكره بعد هذا، وأمَّا الثالثة؛ فلا أحفظ في مقدارها شيئًا، وخُذْ ما ذكرتُ لك هيِّنًا [25] ، وقد قال لي الإمام الحافظ زين الدين عمر القرشيُّ الدِّمَشْقيُّ يعرِّض ببعض الكبار أن يُمتَحَن بمقدار هذه السجدة، ولم يذكر مقدارها لي القرشيُّ، وإنَّما رأيتها أنا في «المسند» ، والله أعلم.
[1] (تحت) : ليس في (ب) .
[2] في (أ) مضبوطًا: (كجدُّه) ! وفي (ب) : (بجده) ، ولَعَلَّ المُثْبَتَ هو الصَّوابُ.
[3] في (ب) : (وبالمعجمة) .
[4] كذا في النسختين، وهي رواية الكشميهني وابن عساكر، وفي «اليونينيَّة» و (ق) بعد الإصلاح: (بمن) .
[5] في (ب) : (والضُّر) .
[6] في (ب) : (البرد) ، وهو تحريفٌ.
[7] في (ب) : (عليهم الصَّلاة والسَّلام) .
[8] في (أ) : (أتى) ، وهو تحريفٌ.
[9] (إذ) : سقط من (ب) .
[10] في (ب) : (بها) .
[11] في (ب) : (أو) ، وهو تحريفٌ.
[12] في (ب) : (رحمه الله) .
[13] في (ب) : (عليهم الصَّلاة والسَّلام) .
[14] في (ب) : (ولا يقدح في رتبتهم) .
[15] في (ب) : (واختارهم) .
[16] في (ب) : (نعتقد) .
[17] (كله) : ليس في (ب) .
[18] في (ب) : (والأحسن بالكف) .
[19] زيد في (ب) : (أعلم وهو) .
[20] (الذهبي) : سقط من (ب) .
[21] في (ب) : (عن) ، وهو تحريفٌ.
[22] (أهل) : سقط من (ب) .
[23] ما بين معقوفين سقط من (ب) .
[24] في (ب) : (عليه السلام) .
[25] في (ق) : (هنا) .
[ج 1 ص 867]