ابن الباقلانيِّ اختلافَ العلماء في أنَّ التفضيل هل هو في الظاهر أم في الظاهر والباطن جميعًا؟ وكذلك اختلفوا في عائشة وخديجة أيُّهما أفضلُ؟ وفي عائشة وفاطمة رضي الله عنهم، وفي كلام أبي منصور البغداديِّ: أنَّه جعل أهل أُحُد قبل أهل بيعة الرضوان، وقال ابن عبد البَرِّ ما يخالفه، قال ابن عبد البَرِّ في أواخر ديباجة «الاستيعاب» ما لفظه: (وليس في غزواته ما يعدل بها _يعني: بدرًا_ في الفضل ويقرب منها إلَّا غزوة الحديبية حيث كان بيعة الرضوان، انتهى.
وأمَّا خديجة وعائشة؛ فسأذكر تفضيلًا لأبي العبَّاس ابن تيمية في ذلك، وهو حسنٌ يأتي في مكانه، وأذكر كلام غيره.
تنبيه: لم أرَ من تعرَّض للسِّتَّة الباقين من العشرة أيُّهم أفضل، والذي ظهر لي أنَّهم في الفضيلة كما عدَّدهم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل الذي أذكره في (مناقب عبد الله بن سلام) إن شاء الله تعالى، وأذكره هنا أيضًا، قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «أبو بكر في الجنَّة، وعمر في الجنَّة، وعثمان في الجنَّة، وعليٌّ في الجنَّة، وطلحة في الجنَّة، والزُّبير في الجنَّة، وسعد بن مالك في الجنَّة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنَّة، وأبو عبيدة في الجنَّة» ، وسكت _ يعني سعيدًا_ عن العاشر، فقالوا: من العاشر؟ قال: سعيد بن زيد؛ يعني: نفسه، قال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ.
ويحتمل أن يقال: أفضل السِّتَّة أسبقهم سبقًا إلى الإسلام، ويحتمل أن يقال: أفضلهم أقربهم إليه عليه السلام من الرِّجال أو من النِّساء، وعلى الاحتمال الثاني يقال: قد أسلم بدعاء أبي بكر رضي الله عنه عثمانُ، والزُّبير، وسعد بن أبي وقَّاص، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرَّحمن بن عوف، ثم أسلم أبو عبيدة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، فاجتمع من الذين سبقوا إلى الإسلام ثمانية أشخاص غير خديجة: علي، وزيد بن حارثة، وأبو بكر، وعثمان، والزُّبير، وعبد الرحمن، وسعد بن أبي وقَّاص، وطلحة بن عبيد الله، وقد روى أبو عمر ابن عبد البَرِّ في «استيعابه» بإسناده إلى عبد الله_يعني: ابن مسعود_ قال: كان أول من أظهر الإسلام سبعة _فذكر رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وليس هذا المراد_: أبو بكر، وعَمَّار، وسمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، قال ابن عبد البَرِّ: ويروي منصور عن مجاهد قال: (أوَّل من أظهر الإسلام سبعة) ، فذكر معنى حديث ابن مسعود إلَّا أنَّه لم يذكر المقداد، وذكر موضعه خبَّابًا.
غريبة: العشرة المشهود لهم بالجنَّة لا أعلم فيهم خلافًا، وهم الذين ذكرتهم، وهم معروفون للناس الخاصِّ والعامِّ إلَّا ما رأيته في «تاريخ صاحب حماة» في سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة ذكر: ابن مسعود، فقال عن بعضهم: إنَّه عدَّه من العشرة، والذي عدَّه أسقط أبا عبيدة، وهذا غريب جدًّا، وأبو عبيدة قرابة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأسلم قبل ابن مسعود.