فهرس الكتاب

الصفحة 7109 من 13362

قوله: (فَمَكَثَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ) : هذا هو القول الصحيح أنَّه عليه السلام عاش ثلاثًا وستين سنة، وقيل: ستين، وقيل: خمسًا وستين، وقيل غير ذلك ممَّا تَقَدَّم، ونُبِّئ على رأس الأربعين، كما تَقَدَّم أعلاه على الصحيح، فمكث بمكَّة ثلاث عشرة سنة بعد النُّبوَّة على الصحيح، ثُمَّ هاجر، فأقام بالمدينة عشرًا، وإقامته بالمدينة عشرًا [1] لا خلاف فيها، وإنَّما الخلاف في إقامته بمكَّة بعد النُّبوَّة، وقدَّمتُ أنَّ في «سيرة شيخنا العراقيِّ» أنَّ القولين _وهما: إقامته بمكَّة بعد النُّبوَّة عشرًا، أو خمس عشرة_ قولان واهِنان بمرَّة.

وقال السُّهيليُّ في «روضه» لمَّا ذكر فترة الوحي، وأنَّها كانت سنتين ونصفًا؛ قال: وقد جاء ذلك في بعض الأحاديث المسندة، ثُمَّ قال: فمن ههنا يتَّفق ما قاله أنس بن مالك: أنَّ مكثه بمكَّة كان عشر سنين، وقولَ ابن عبَّاس: ثلاث عشرة، وكان قد ابتُدِئ بالرؤيا الصادقة ستة أشهر، فمن عدَّ مدَّة الفترة، وأضاف إليها الأشهر السِّتَّة؛ كانت كما قال ابن عبَّاس، ومن عدَّها من حين حمي الوحي وتتابع؛ كان كما في حديث جابر: كانت عشر سنين.

ووجه آخر في الجمع بين القولين أيضًا، وهو أنَّ الشَّعْبيَّ قال: وُكِّل إسرافيل بنبوِّة محمَّد عليه السلام ثلاث سنين، ثُمَّ جاءه جبريلُ بالقرآن ... إلى أن قال: وإذا صحَّ؛ فهو أيضًا وجه في الجمع بين الحديثين، والله أعلم، انتهى.

وقال بعض الحُفَّاظ: وكان عمره إذ تُوفِّي ثلاثًا وستين فيما ذكره البُخاريُّ، وثبَّته ابن سعد وغيره، وفي «مسلم» : خمس وستون، وصحَّحه أبو حاتم في «تاريخه» ، وفي «الإكليل» : ستون، وفي «تاريخ ابن عساكر» : ثنتان وستون ونصف، وفي كتاب ابن شبَّة: إحدى أو اثنتان أو أُراه بلغ ثلاثًا وستين، وجمع بأنَّ من قال: خمسًا؛ حسب السنة التي ولد فيها والتي قبض فيها، ومن قال: ثلاثًا _وهو المشهور_؛ أسقطهما، ومن قال: ستين؛ أسقط الكسور، ومن قال: ثنتين وستين ونصفًا؛ كأنَّه اعتمد على حديث في «الإكليل» _وفيه كلامٌ_: «لم يكن نبيٌّ إلَّا عاش نصف عمر أخيه الذي قبله» ، وقد عاش عيسى عليه السلام خمسًا وعشرين ومئة، ومن قال: إحدى أو اثنتين؛ فشكَّ ولم يتيقَّن، وكل ذلك إنَّما نشأ من الاختلاف في مقامه بمكَّة بعد البعثة على ما تَقَدَّم، انتهى.

وقال شيخنا الشارح في «فضائل القرآن» : ووقع في «ابن التين» : (ميكائيل) بدل (إسرافيل) ، والمشهور: أنَّ جبريل ابتدأه بالوحي، انتهى، وقد قدَّمتُ كلَّ ذلك، وقدَّمتُ أيضًا في (ابتداء الوحي) ما قاله الشَّعْبيُّ، وتعقَّبتُه بكلام ابن عبد البَرِّ، والله أعلم.

[1] في (أ) : (عشر) ، ولعل المثبت هو الصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت