فهرس الكتاب

الصفحة 7642 من 13362

لأنَّ ابن عباس كان يُبيحهما، فروى له عليٌّ تحريمهما عن النَّبيِّ صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم؛ ردًّا عليه، وكان تحريم لحوم الحمر يوم خيبر بلا شكٍّ، فذكر (يوم خيبر) ظرفًا لتحريم الحمر، وأطلق تحريم المتعة، ولم يقيِّده بزمنٍ [2] ؛ كما جاء ذلك في «مسند أحمد» بإسناد صحيح: «أنَّ رسول الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم حرَّم لحوم الحمر الأهليَّة يوم خيبر، وحرَّم متعة النساء» ، وفي لفظ: «حرَّم متعة النساء، وحرَّم لحوم الحمر الأهليَّة يوم خيبر» ؛ هكذا رواه سفيان بن عيينة متَّصلًا مميَّزًا، فظنَّ بعض الرواة أنَّ يوم خيبر زمن للتحريمين، فقيَّدهما به، ثُمَّ جاء بعضُهم، فاقتصر على أحد المحرَّمين، وهو تحريم الحمر، وقيَّده بالظرف، فمن ههنا نشأَ الوهم، وقصَّة خيبر لم يكن فيها الصَّحابة يتمتَّعون باليهوديات، ولا استأذنوا في ذلك رسولَ الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم، ولا نقله أحد قطُّ في هذه الغزوة، ولا كان للمتعة فيها ذكر ألبتَّة، لا فعلًا ولا تحريمًا، بخلاف غزاة الفتح، فإنَّ قصَّة المتعة فعلًا وتحريمًا مشهورةٌ، وهذه الطريقة أصحُّ الطريقتين، وفيها طريقة ثالثة؛ وهي أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم لم يحرِّمها تحريمًا عامًّا ألبتَّة، بل حرَّمها عند الاستغناء عنها، وأباحها عند الحاجة إليها، وهذه كانت طريقة ابن عباس حتَّى كان يفتي بها، ويقولُ: هي كالميتة والدم ولحم الخنزير، تُباح عند الضرورة وخشية العَنَت، فلم يفهم عنه أكثرُ الناس ذلك، وظنُّوه أنَّه أباحها إباحة مطلقة، وتغنَّوا في ذلك بالأشعار، فلمَّا رأى ابن عباس ذلك؛ رجع إلى القول بالتحريم)، انتهى، وقد سبقه إلى ذلك السُهيليُّ في «روضه» في غزوة خيبر، ولفظه: (وممَّا يتصل بحديث النهي عن أكل الحمر ... ) .

تنبيهٌ على إشكالٍ في رواية مالك عن ابن شهاب، وأنَّه قال فيها: (نهى رسولُ الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهليَّة) ، وهذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورُواة الأثر: أنَّ المتعة حُرِّمت يوم خيبر، وقد رواه ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن محمَّد، فقال فيه: (إنَّ رسول الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم نهى عن أكل الحمر الأهليَّة عام خيبر، وعن المتعة) ، فمعناه على هذا اللفظ: ونهى عن المتعة بعد ذلك، أو في غير ذلك اليوم، فهو إذًا تقديمٌ وتأخيرٌ وقع في لفظ ابن شهاب، لا في لفظ مالك؛ لأنَّ مالكًا قد وافقه على لفظِه جماعةٌ من رواة ابن شهاب.

وقد اختلف في نكاح المتعة، فأغرب ما روي في ذلك من قال: إنَّ ذلك كان في غزوة تبوك، ثُمَّ رواية الحسن: أنَّ ذلك كان في عمرة القضاء، والمشهور في تحريم نكاح المتعة رواية الربيع بن سبرة عن أبيه: أنَّ ذلك كان عام الفتح، وقد خرَّج مسلم الحديث بطوله، وفي هذا أيضًا حديث آخر خرَّجه أبو داود: أنَّ تحريم نكاح المتعة كان في حجَّة الوداع، ومن قال من الرواة: كان في غزوة أوطاس؛ فهو موافق لمن قال: عام الفتح، فتأمَّله، والله المستعان، انتهى، وهو مكان حسن، فلا تملَّ لطوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت