قوله: (الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ) : بَوَّبَ عليه: ( {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُّحْمُودًا} [الإسراء: 79] ) : وقد فسَّره بأنَّها الشفاعة العظمى، وفي (المقام المحمود) مقالات ذكرها القُرْطبيُّ في «تذكرته» ، وذكرها غيره، وهي خمسة أقوال؛ الأول: الشفاعة العامَّة للناس، الثاني: إعطاؤه صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم لواء الحمد، انتهى، ولواء الحمد تَقَدَّم كيفيَّته، ثُمَّ قال القُرْطبيُّ: ولا تنافي بين هذا القول وبين الأوَّل، فإنَّه يكون بيده لواء الحمد ويشفع، الثالث: قول مجاهدٍ، وسيأتي، ثُمَّ قال عقيبه: وهذا قولٌ مرغوبٌ عنه، فإن صحَّ؛ فيُتأوَّل على أن يجلسه مع أنبيائه وملائكته، ثُمَّ ذكر كلام ابن عبد البَرِّ، وسأذكره، والرابع: إخراجه طائفةً من النار، وذكره مستنده من حديث مسلم، والخامس: شفاعته رابع أربعة، وسيأتي، انتهى.
ثُمَّ ذكر بُعَيد هذا مستندَ هذا القول، ومستندُ هذا القول ما رواه أبو داود الطيالسيُّ، فذكر حديثًا عن أبي الزعراء عن عبد الله قال: «ثُمَّ يأذن الله عزَّ وجلَّ في الشفاعة، فيقوم روح القدس جبريل عَلَيهِ السَّلام، ثُمَّ يقوم إبراهيم عَلَيهِ السَّلام، ثُمَّ يقوم عيسى عَلَيهِ السَّلام، ثُمَّ يقوم موسى عَلَيهِ [السَّلام] _قال أبو الزعراء: لا أدري أيُّهما قال؟ قال_: ثُمَّ يقوم نبيُّكم صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم رابعًا، فيشفع ... » ؛ الحديث، قال: وهو المقام المحمود الذي قال الله: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُّحْمُودًا} [الإسراء: 79] ، انتهى.
ذكر هذا الحديثَ الذهبيُّ في ترجمة عبد الله بن هانئ أبي الزعراء، وتعقَّبه: بأنَّ المعروف أنَّه عليه [السلام] أوَّلُ شافعٍ، نقله غير البُخاريِّ، وقال قبل هذا: قال البُخاريُّ: لا يتابع على حديثه، والحديث في «مستدرك الحاكم» ، وقال: على شرط البُخاريِّ ومسلم، وتعقَّبه الذهبيُّ: بأنَّ أبا الزعراء لم يخرِّجا له، والله أعلم، وفيه غير ما ذكر من الأقوال، وقد ذكر شيخنا في حديث الشفاعة في أواخر «البُخاريِّ» : أنَّ (المقام المحمود) : هو أن يكون أقربَ من جبريل، فهذا سادسٌ فيه.