قوله: (إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا) : قال ابن قُرقُول: (فيه وجهان: قيل: مقصده الذَّمُّ؛ لأنَّه يصرفُ الحقَّ إلى صورة الباطل، والباطل إلى صورة الحقِّ؛ كالسِّحر الذي يقلب الأعيانَ، وسياق الحديث وسببه يشهدُ لهذا، وقيل: بل هو مدحٌ وثناءٌ عليه، وشبَّهه بالسِّحر؛ لصرف القلوب به، ومنه قالوا: السِّحرُ الحلالُ، و «البيان» : الفهم وذكاء القلب مع اللَّسن، و «البيان» أيضًا: الظُّهور، ومنه بانَ لي كذا؛ أي: ظهر، وتبيَّن بَيْنًا، وبَيَانًا) ، انتهى، وقال في (السِّين مع الحاء) : (قيل: أورده مورد الذَّمِّ؛ لشبهه بعمل السِّحر؛ لقلبه القلوب، وجلبه الأفئدة، وتزيينه القبيح، وتقبيحه الحسن، وأصل السحر في كلام العرب: الصَّرف، ومنه: سحرك فلان؛ أي: صرفك، وصيَّرك كمَن سُحِرَ له، ويشهد لهذا قوله: «ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجَّته من بعض ... » ؛ الحديث؛ أي: يكسب به صاحبه مِن الإثم ما يكسبه السَّاحر بعلمه، وقيل: إنَّه أورد مورد المدح؛ أي: تُمال به القلوب، ويُترَضَّى به السَّاخط، ويُستَنْزَل به الصَّعب، ولذلك قالوا فيه: «السِّحر الحلال» ، ويشهد له في نفس الحديث: «إنَّ مِن الشعر لحكمةً» ) انتهى، وقد ذكر غيرُ واحد هذين التَّأويلَين، وقال الشَّيخ محيي الدِّين النَّوَويُّ: في «شرح مسلم» : (التَّأويل الثاني هو الصَّحيح المختار، وقد أدخل مالك هذا الحديث في «المُوطَّأ» في «باب: ما يكره من الكلام» ، والله أعلم) .
[ج 2 ص 415]