فهرس الكتاب

الصفحة 766 من 15510

العيني عليه بقوله: هذا كلام من لم يذق شيئًا من علم المعاني، فإن هذا الخطاب لمثل هذا الناهي الذي ذكره لا يحتاج إلى تأكيد لأنه ليس بمنكر ولا متردد فافهم.

(ومن) للتبعيض؛ أي: الحياء شعبة من الإيمان، ليطابق الحديث المار في باب: أمور الإيمان من قوله عليه السلام: (والحياء شعبة من الإيمان) ، والمراد أنه بعض من الإيمان الكامل، فلا يلزم من انتفائه انتفاء أصل الإيمان حتى يكون المنفي عنه كافرًا إذا الشيء ينتفي بانتفاء بعضه، نعم على ما قيل أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان يشكل الأمر، قاله الكرماني وتبعه العيني.

وأقول: لا إشكال عند أهل السنة من المحدثين وغيرهم القائلين بذلك؛ لأن الأعمال عندهم لا ينتفي أصل الإيمان بانتفائها، وإنما ينتفي كماله فهو مثل ما أجاب به أولًا فافهم.

تنبيه: قال ابن قتيبة: معنى الحديث أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع منه الإيمان، فسمي إيمانًا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه، يعني فإطلاق كونه من الإيمان مجاز إذ الحياء، كما قال الراغب: انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جبن وعفة، ولذلك لا يكون المستحي فاسقًا، وقل ما يكون الشجاع مستحييًا، وقد يكون لمطلق الانقباض كما في الصبيان.

وقال غيره: هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره أعم من كونه شرعيًا أو عقليًا أو عرفيًا، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أبله، والحياء إن كان في محرم فهو واجب وإن كان في مكروه فهو مندوب، وإن كان في مباح فهو العرفي، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (الحياء لا يأتي إلا بخير) ويجمع جميع ذلك أن المباح إنما هو ما يقع على وفق الشرع إثباتًا أو نفيًا.

وقال بعض السلف: رأيت المعاصي بَذالة فتركتها مروءة فصارت ديانة.

وقد ينشأ الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه فيستحي العاقل أن يستعين بها على معصيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت