قوله: (هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ ... ) ؛ الحديث: تنبيهٌ: وقع في «مسلم» : (لا يرقون ولا يسترقون) ، قال ابن قَيِّم الجَوزيَّة في «الهدي» وفي «حادي الأرواح» ، واللَّفظ لـ «حادي الأرواح» ما نصُّه: (وليس عند البُخاريِّ: «لا يرقون» ، قال شيخنا _يعني: أبا العَبَّاس ابن تيمية الحافظ الإمام: وهو الصَّواب، وهذه اللَّفظة وقعت مقحمة في الحديث، وهو [2] غلط من بعض الرواة، فإنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جعل الوصف الذي استحقَّ به هؤلاء دخول الجنَّة بغير حساب هو تحقيق التوحيد وتجريده، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم، ولا يتطيَّرون _والطيرة: نوع مِن الشِّرك، ويتوكَّلون على الله عزَّ وجلَّ وحده، لا على غيره، وتركُهم الاسترقاء والتَّطيُّر هو من تمام التوكُّل على الله؛ كما في الحديث: «الطيرة شركٌ» ، قال ابن مسعود: وما منَّا إلَّا من يتطيَّر، ولكنَّ الله يُذهِبه بالتوكُّل، فالتوكُّل ينافي التَّطيُّر، وأمَّا رقية الغير؛ فهو إحسان مِن الراقي، وقد رقى رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم جبريلُ، وأذن في الرُّقى، وقال: «لا بأسَ بها ما لم يكن فيها شركٌ ... » إلى آخر كلامِه.
[ج 2 ص 539]
قوله: (فَقَالَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) : (عُكَّاشة) ؛ بتشديد الكاف وتخفيفها، و (مِحصن) ؛ بكسر الميم، قال ابن قُرقُول: (ومحصن والد أمِّ قيس، ووجدت الأصيليَّ ضبط اسم أبيها: بِضَمِّ الميم وكسرها) ، انتهى، وأمُّ قيس [3] تَقَدَّمَتْ، وأنَّ اسمها آمنة، ويقال: جذامة، وهي أخت عُكَّاشة بن محصن، وعُكَّاشة صَحَابيٌّ مشهور بدريٌّ، وهو أحد السابقين، وكان من أجمل الرِّجال وأشجعهم، قال البُخاريُّ: أُصِيب في عهد أبي بكر رضي الله عنهما، قاله ابن إسحاق، وقال سليمان التيميُّ: قُتِل عُكَّاشة في سريَّة بعثها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بني أَسَد، والصَّحيح الأوَّل، فإنَّه استُشهِد في قتال طلحة الأسديِّ أيَّام الرِّدَّة، كان طليعةً لجيش خالد بن الوليد، ومناقبه معروفة رضي الله عنه ولو لم يكن إلَّا هذه المنقبة.
قوله: (فَقَامَ آخَرُ ... ) إلى آخره: هذا الرَّجل يقال: إنَّه سعد بن عبادة، قاله الخطيب البغداديُّ، وبَعْدَه النَّوَويُّ، وسأذكر عليه كلامًا حسنًا من عند السُّهيليِّ في (باب من يدخل الجنَّة بغير حساب) ، وأذكر هناك حكمةً في كون الثاني ليس منهم إن شاء الله تعالى ذلك.