الثالث: قُربةٌ، وهو ما جزم به المتولِّي في (الوكالة) ، فقال: لا يجوز التوكيل في النذر؛ لأنَّه قُربةٌ، وكذلك الغزاليُّ في كفَّارة الظهار من «الوسيط» قُبَيل الخَصلة الثانية، وهو مقتضى كلام الرافعيِّ، ونقل ابن أبي الدم: أنَّ جماعة قالوا بذلك، وهو القياس، وذكر النَّوَويُّ في (باب ما يفسد الصلاة) من «شرح المهذَّب» ما يقتضيه.
والرابع: التفصيل؛ فيُستحبُّ نذرُ التبرُّر؛ وهو الذي ليس معلَّقًا على شيء، ولا يُستَحَبُّ النذر المعلَّق، وهذا التفصيلُ ذكره ابن الرِّفعة في (باب الوكالة) من «المطلب» .
واعلم أنَّ القولَ باستحبابه يعضده النصُّ والقياس، أمَّا النصُّ؛ فقوله تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة: 270] حثَّهم الله سبحانه وتعالى على النذر وأكَّدَه بالمصدر، فاقتضى أن يكون قربةً، وأمَّا القياس؛ فلأنَّه وسيلةٌ إلى القُربة، وللوسائل حُكمُ المقاصد، ولهذا قال ابن أبي هريرة: إنَّ الحَلِف على الطاعة من النوافل المستحبَّةِ، لا يُتوصَّل به إلى الإحسان، ويبعثه على القُرب وأفعالِ الخير، والاستدلال بهذا الحديث يتوقَّف على قاعدتين؛ إحداهما: أنَّ المفرد المعرَّف بـ (أل) للعموم، الثانية: أنَّ قولَ الصَّحَابيِّ: (نهى عن كذا) عامٌّ، وفيهما خلافٌ، والله أعلم.
تنبيهٌ: قال الإمام المازريُّ المالكيُّ: يحتمل أن يكون سببُ النهي عن النذر كونَ الناذر يصير ملتزمًا [1] له، فيأتي به تكلُّفًا بغير نشاط، قال: ويحتمل أن يكون سببُه كونَه يأتي بالقربة التي التزمها في نذرٍ على صورة المعاوضة للأمر الذي طلبه، [فـ] ينقص أجره، وشأن العبادة أن تكون متمحِّضةً لله تعالى، قال القاضي عياض: ويحتمل أنَّ النهيَ لكونه قد يظنُّ بعضُ الجَهَلة أنَّ النذرَ يردُّ القدرَ، ويمنعُ من حصول المقدَّر، فنُهِيَ عنه؛ خوفًا من جاهلٍ يعتقد ذلك، فسياق الحديث يؤيِّد هذا، والله أعلم.
قوله: (وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ) : (يُسْتَخرَج) : مَبْنيٌّ لِما لمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
[1] في (أ) : (متلزمًا) ، ولعلَّ المُثبتَ هو الصَّوابُ.
[ج 2 ص 710]