فهرس الكتاب
ذكر ابن المُنَيِّر ما ذكره البُخاريُّ في هذا الباب على عادته، ثمَّ قال: (مذهب البُخاريِّ تضعيفُ القَسَامة، فلهذا صدَّر الباب بالأحاديث الجارية على أنَّ اليمين مِن جانب المُدَّعَى عليه، وذكر حديث سعيدِ بن عُبَيد، وهو جار على قواعد الدَّعاوي، وإلزام المُدَّعِي البيَّنةَ ليس من خصوصيَّة القَسَامة في شيء، ثمَّ ذكر البُخاريُّ حديثَ القَسَامة الدَّالَّ على خروجها من القواعدِ بطريق العَرَض في «كتاب الموادَعة والجزية» ؛ حذرًا من أن يذكره ههنا؛ لئلَّا يعتمد على ظاهره في الاستدلال على القَسَامة واعتبارِها، فيغلط المستدلُّ به على اعتقاد البُخاريِّ، وهو الإخفاء مع صحَّة القصد، ليس مِن كتمان العلم، بل هو من قبيل ما ورد: «لا تعطوا الحكمة غير أهلها، فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها، فتظلموهم» ، فالنَّصيحة تُوجِب توقِّي الغلط، والله أعلم، ووَهم المُهلَّبُ فظنَّ أنَّ أبا قِلَابَة اعترض على حديث القَسَامة بحديث العرنيِّين مُعارِضًا به بحديث القَسَامة، فقال: لا تعارُض؛ لأنَّ العرنيِّين اشتُهِر أمرهم، وقتلُهم الرَّاعي، وارتدادُهم عن الإسلام، ولم يكن هذا الحديثُ يمكن خفاؤه ولا جحوده، وإنَّما قتلهم النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بعد ثبوت ذلك عليهم شرعًا بطريقة، وهذا وَهَمٌ من المُهلَّب، وأمَّا أبو قِلَابَة؛ فلمَّا اعتُرِض عليه في إبطال القَسَامة بالحديث العامِّ الذي دلَّ على حصر القتل الشرعيِّ في الثَّلاثة؛ قتل، أو كفر، أو زنًى بحديث العرنيِّين؛ لأنَّ المُعترِض سبق ذهنه إلى [أنَّ] العرنيِّين لم يثبت عليهم أحد الثَّلاثة، ومع هذا قُتِلُوا، أجاب أبو قِلَابَة بأنَّه قد ثبت عليهم ثبوتًا واضحًا القتلُ، والرِّدَّةُ، والمحاربةُ، وكلام أبي قِلَابَة هذا في هذا الجواب مستقيمٌ، والله أعلم) ، انتهى.