قوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) : هذا مُشكِل؛ لأنَّه إباحةٌ مطلقةٌ، وهو خلاف الشرع، وقيل: ليس هو للاستقبال؛ بل للماضي، وتقديره: أيُّ عمل كان لكم فيه؛ فقد غفرته، وهو ضعيف؛ لأنَّه خاطب به مَن فعله بعد بدر، وقيل: بل خطابُ إكرامٍ وتشريف؛ أي: أنَّ هذا القوم حصلت لهم حالةٌ غفرتُ بها ذنوبهم السَّابقة، وتأهَّلوا بها أن يُغفَر لهم ذنوبٌ إن وقعت منهم، وينبغي أن يُغفَر لهم ما تَقَدَّم مِن ذنوبهم وتأخَّر [15] ؛ لظاهر اللَّفظ، ولأنَّ المنذريَّ صحَّح حديثًا في جزء [16] جَمَع فيه غفرانَ ما تَقَدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر، وليس هو حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها: أنَّها سمعت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «مَن أهلَّ بحجَّة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غُفِر له ما تَقَدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر، أو وجبت له الجنَّة» ، شكَّ عبد الله أحدُ رواته، رواه أبو داود واللَّفظ له، وابن ماجه، وصحَّحه ابن حِبَّان، وخالف ابن حزم فوهاه، قال شيخنا المؤلِّف في «تخريج [17] أحاديث التُّحفة» بما يثبت غلطه في «تخريج أحاديث الرَّافعيِّ» ، انتهى، فإذا كان يغفر له بهذا _إن كان قاله عليه الصَّلاة والسَّلام، وهي مسألة اختُلِف في استحبابها وكراهيتها بين السَّلف وغيرهم_؛ فكيف لا يُغفَر لأهل بدر ذلك؟ [وقد أخرج أبو داود حديثًا في (اللِّباس) ، وسكت عليه، فيه غفران ما تَقَدَّم وتأخَّر [18] ، ومتنه: عن معاذ بن [19] أنس عن أبيه [20] : أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «من أكل طعامًا [21] ثمَّ قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطَّعامَ ورزقنيه من غير حول منِّي ولا قوَّة؛ غُفِرَ له ما تَقَدَّم مِن ذنبه، ومَن لبس ثوبًا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول منِّي ولا قوَّة؛ غُفِرَ له ما تَقَدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر» ] [22] ، نعم؛ إذا أصاب أحدهم حدًّا؛ أُخِذَ به في الدُّنيا، وقد جلد عليه الصَّلاة والسَّلام مسطحًا حدَّ القذف على الصَّحيح، وجلد [23] النُّعمان حدَّ الخمر، والله أعلم.