فهرس الكتاب
[حديث: إنكم محشورون حفاةً عراةً غرلًا]
3349# قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) : تَقَدَّمَ مرارًا أنَّ (كَثِيرًا) بفتح الكاف، وكسر المُثَلَّثَة، وأنَّه العبديُّ، لا الصنعانيُّ، و (سُفْيَانُ) هذا: الظاهر _كما قدَّمته_ أنَّه الثَّوْريُّ؛ وذلك لأنِّي رأيت عَبْد الغَنيِّ في «الكمال» ذكر الثَّوْريَّ في مشايخ مُحَمَّد بن كثير العبديِّ، وذكر الثَّوْريَّ أيضًا في الآخذين عن المغيرة بن النعمان، والله أعلم.
قوله: (حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا) : اعلم أنَّه اختُلِف هل يُحشَر الناس كلُّهم عُرَاةً أو مكسوِّين، أو بعضهم عارٍ وبعضهم مكسوٌّ؛ وهم الشهداء؟ وصُحِّح هذا القولُ: أنَّ هؤلاء يُحشَرون في أثوابهم، وغيرهم عارٍ، وجمع البيهقيُّ بأنَّهم يكونون _أو بعضُهم_ عُراةً إلى موقف الحساب أو قبله، ثُمَّ يُكسَى إبراهيم، ثُمَّ الأنبياء، ثُمَّ الأوَّلياء، فيُكسَون كُسْوَة، كلُّ إنسان من جنس ما يموت فيه، حتى إذا دخلوا الجنَّة؛ أُلبِسُوا ثيابها، أو أنَّهم يُبعَثون من قبورهم في ثيابهم التي يموتون فيها، ثُمَّ عند الحشر تتناثر عنهم ثيابُهم، فيُحشَرون _أو بعضُهم_ إلى موقف الحساب عُراةً، ثُمَّ يُكسَون من ثياب الجنَّة، وحمله بعض أهل العلم على العمل؛ أي: في أعماله التي يموت فيها من خيرٍ أو شرٍّ، وحمله الأكثر من العلماء على الشهيد الذي أُمِرَ أن يُزمَّل في ثيابه ويُدفَنَ فيها، ولا يُغيَّر شيءٌ من حاله؛ بدليل حديث ابن عَبَّاس وعائشة، قالوا: ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد، فتأوَّله على العموم، وأمَّا الغزاليُّ؛ فذهب إلى حديث أبي سعيد: أنَّه يُحشَر في أثوابه، ولكلِّ قومٍ مَدرَك، والله أعلم، ويدلُّ لقول الأكثر قولُه تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أوَّل مَرَّةً} [الأنعام: 94] ، وقولُه: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 29] ، والله أعلم.
قوله: (غُرْلًا) : هو بضَمِّ الغين المُعْجَمَة، ثُمَّ راء ساكنة؛ أي: غيرَ مختونين، الواحد: أغرلُ، و (الغُرْلَة) : القُلْفَة، ومَن قُطِع منه شيءٌ في الدنيا؛ أُعيد إليه يوم القيامة.
فائدةٌ: لَذَّة جماع الأقلف تزيد على لَذَّة جماع المختون، كما نُبِّه فيما نقله شيخنا عن ابن الجوزيِّ، قال ابن عَقيل: بَشَرَة [1] حَشفَة الأقلف موقاةٌ بالقُلْفَة، فتكون بَشَرَتُها أرقَّ، وموضع الختن كلَّما رقَّ؛ كان الحسُّ أصدقَ؛ كراحة الكفِّ إذا كانت مرفَّهة [2] من الأعمال؛ صلحت للحسِّ، وإذا كانت يدَ قصَّار أو نجَّار؛ خَفِيَ بها الحسُّ، فلمَّا أبانوا في الدنيا تلك البَضْعَة لأجله؛ أعادها الله [3] ؛ ليذيقها من حلاوة فضله، قال: والسِّرُّ في الختان _مع أنَّ القُلْفَة معفوٌّ عمَّا تحتها من النَّجَس_ أنَّه سُنَّةُ إبراهيم صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم [4] ، حيث بُلِيَ بالترويع بذبح ولده؛ فأحبَّ أن يجعلَ لكلِّ واحدٍ ترويعًا بقطع عضوٍ وإراقةِ دمٍ، يبتلي أولادهم بالصبر على إيلام الآباء لهم، فتكون هذه الحالة مُظْهِرةً للصبر والتسليم من الآباء والأولاد؛ تأسِّيًا بإبراهيم صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، نقله شيخنا.
فائدةٌ: ابن عَقِيل؛ بفتح العين وكسر القاف: عليُّ بن عقيل بن مُحَمَّد، كنيته أبو الوفاء الظَفريُّ الحنبليُّ، أحد الأعلام، وفرد زمانه عِلمًا، ونقلًا، وذكاءً، وتفنُّنًا، له كتاب «الفنون» في أزيدَ من أربع مئة مجلَّدةٍ، قال الذَّهَبيُّ الحافظ شمس الدين: إلَّا أنَّه خالف السلفَ، ووافق المعتزلةَ في عِدَّة بِدَعٍ، وما ذاك إلَّا من كثرة التبحُّر في الكلام؛ لأنَّ كثرته ربَّما أضرَّت بصاحبها، والله أعلم.
قوله: (وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ) : قال القرطبيُّ في «التذكرة» بعد أن حكى عن شيخه أبي العَبَّاس أحمدَ بنِ عمر في «المفهِم» : أنَّه يجوز أن يُراد بالناس مَن عداه من الناس، فلم يدخل تحت خطابه؛ يعني: النَّبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، قال القرطبيُّ في «التذكرة» : وهذا حسنٌ [5] لولا ما جاء منصوصًا خلافَه، ثُمَّ ذكر أحاديثَ فيها التصريح بأنَّ أَوَّلَ مَن يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُحَمَّد، ثُمَّ قال القرطبيُّ ما لفظه: وتكلَّم العلماء في حِكمة تقديم إبراهيم صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم [6] بالكسوة، فرُويَ أنَّه لم يكن في الأوَّلين والآخرين عبدٌ لله عزَّ وجلَّ أخوفَ من إبراهيم، فتُعَجَّل [7] له الكسوة [8] أمانًا له؛ ليطمئنَّ قلبُه، قال: ويحتمل أن يكون ذلك لما جاء به من الحديث من أنَّه أوَّل من أُمِر بلبس السراويل إذا صلَّى؛ مبالغةً في السَّتر وحفظًا لفَرْجِه من أن يماسَّ مُصلَّاه، ففَعَل ما أُمِر به، فيُجزَى بذلك أن يكون أوَّلَ من يُستَر يوم القيامة، ويحتمل أن يكون الذين ألقَوه في النار جرَّدوه ونزعوا ثيابه على أعين الناس؛ كما يُفعَل بمَن يُراد قتله، وكان ما أصابه من ذلك في ذات الله، فلمَّا صبر واحتسب، وتوكَّل على الله؛ دفع الله عنه شرَّ النار في الدنيا والآخرة، جزاه بذلك العُرْيِ أنْ جعله أوَّلَ مَن يُدفَع عنه العُرْيُ يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وهذا أحسنُها، والله أعلم، انتهى.
قوله: (وَإِنَّ نَاسًا [9] مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ... ) إلى آخره: هؤلاء هم الذين ارتدُّوا بعد موت النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، واستمرُّوا عليها حتَّى ماتوا، فأطلق عليهم اسم الصحبة باعتبار ما فارقهم عليه، وهذا قولٌ مِن أقوالٍ في هؤلاء، وفيهم أقوالٌ أُخَرُ، قال النَّوويُّ في «شرح مسلم» حين ذكر هذا الحديث ما ملخَّصه: اختلف العلماء في المراد بهذا الحديث على أقوالٍ؛ أحدها: المراد به هنا المنافقون والمرتدُّون، والثاني: مَن كان أسلم في زمن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، ثُمَّ ارتدَّ بعدَه، والثالث: أنَّ المرادَ أصحابُ المعاصي الكبائرِ الذين ماتوا على التوحيد، أو أصحاب البِدَع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا القول لا يُقطَع لهؤلاء الذين يُذَادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبةً لهم، ثُمَّ يرحمهم الله تعالى سبحانه، فيدخلهم الجنَّة من غير عذاب، والله أعلم.
قوله: (فَأَقُولُ: أُصَيْحَابِي [10] ) : هذه صيغة دالَّة على قلَّة عددهم، والله أعلم، وأطلق عليهم اسم الصحبة باعتبار ما فارقهم عليه، كما تَقَدَّمَ أعلاه، وأنَّ هذا على قول: إنَّهم الذين ارتدُّوا بعد موته عليه الصَّلاة والسَّلام.
[1] في (ب) : (لشدة) ، وهو تحريفٌ.
[2] في (ب) : (مرهفة) .
[3] في (ب) : (أعادها إليه) .
[4] في (ب) : (عليه السلام) ، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[5] في (ب) : (أحسن) .
[6] في (ب) : (عليه السلام) .
[7] في (ب) : (فيعجل) .
[8] في (ب) : (بالكسوة) .
[9] كذا في النسختين، وهي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر، وفي «اليونينيَّة» و (ق) بعد الإصلاح: (أناسًا) .
[10] كذا في النسختين و (ق) ، وهي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر، وفي «اليونينيَّة» : (أصحابي) .