فهرس الكتاب
[حديث: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاثًا]
3357# قوله: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ الرُّعَيْنِيُّ) : تَقَدَّمَ أنَّه بفتح المُثَنَّاة فوق، وكسر اللام، ثُمَّ مُثَنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ دال مهملة، و (الرُّعَيْنيُّ) : بضَمِّ الراء، وفتح العين المُهْمَلَة، ثُمَّ مُثَنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ نون، ثُمَّ ياء النسبة إلى رُعَين، وتَقَدَّمَ (ابْنُ وَهْبٍ) : أنَّه عبد الله بن وهب، أحد الأعلام، وكذا تَقَدَّمَ (جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) : أنَّه بالحاء المُهْمَلَة، و (أَيُّوب) : هو ابن أبي تميمة السَّخْتيَانيُّ، و (مُحَمَّد) : هو ابن سيرين، و (أبو هُرَيْرَةَ) : عبد الرَّحْمَن بن صخرٍ، على الأصَحِّ من نحو ثلاثين قولًا.
قوله: (لم يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثًا) : سمَّاها النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كذباتٍ، وكذا سمَّاها إِبْرَاهِيمُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم [1] بالنسبة إلى فهم المخاطَب والسامِع، وأمَّا في نفس الأمر؛ فليست كذباتٍ مذموماتٍ؛ لوجهين؛ أحدهما: أنَّه ورَّى بها، فقال في سارة: (أختي في الإسلام) ، وهو صحيحٌ في باطن الأمر، وقوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89] ؛ أي: سأسقم، وقيل: سقيم بما قُدِّر عليَّ من الموت، وقيل: كانت تأخذه الحُمَّى في ذلك الوقت، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا} [الأنبياء: 63] : قال ابن قُتَيْبَة وطائفةٌ: جعل النطق شرطًا لفعل كبيرهم؛ أي: فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، وقال النَّسائيُّ: يُوقَف عند قوله: {بَلْ فَعَلَهُ} ؛ أي: فاعله، فأضمره، ثُمَّ يبتدئ فيقول: {كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ} عن ذلك الفاعل، وذهب الأكثرون إلى أنَّها على ظاهرها، والثاني: أنَّه لو كان كذبًا لا توريةَ فيه؛ لكان جائزًا في دفع الظالمين، وقد اتَّفق الفقهاء على أنَّه لو جاء ظالمٌ يطلبُ إنسانًا مختفيًا ليقتله، أو يطلبَ وديعةً لإنسان ليأخذَها غصبًا، وسأل عن ذلك؛ وجب على من علم ذلك إخفاؤُه وإنكارُ العلم به، وهذا كذبٌ جائزٌ، بل واجبٌ؛ لكونه في دفع ظالمٍ، والله أعلم.
3358# قوله: (ح) : تَقَدَّمَ الكلام عليها نطقًا وكتابة في أوَّل هذا التعليق؛ فانظر ذلك إن أردته.
قوله: (ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ في ذَاتِ اللهِ) : إنَّما خصَّ اثنتين بأنَّهما في ذَاتِ اللهِ؛ لكون الثالثة تضمَّنت نفعًا له وحظًّا مع كونها في ذَاتِ الله؛ لأنَّها سببُ دفعِ كافرٍ ظالمٍ عن مواقعة فاحشةٍ عظيمةٍ، وقد جاء ذلك مفسَّرًا في غير «البُخاريِّ» و «مسلم» ، فقال: «ما فيها كذبة إلَّا مَاحَلَ بها عن الإسلام» ؛ أي: يجادل ويدافع، والله أعلم.
قوله: (وَسَارَةُ) : قيَّدَه بعضهم بتشديد الراء، وهو [2] به صحيحٌ، من السرور، وإنَّما سمعت الناس ينطقون بها بالتخفيف، وقد تَقَدَّمَ ذلك مع زيادةٍ فيما يتعلَّق بنسبها في (باب [3] مَن أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون [4] بينهم) .
قوله: (إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ) : تَقَدَّمَ الاختلاف في اسم (الجبَّار) ، والاختلاف في بلده.
قوله: (لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْركِ) : تَقَدَّمَ الكلام عليه، وكذا على قوله: (أُخْتِي) ، وكذا (غَيْرِي وَغَيْركِ) : أنَّه بالرفع والنصب، وهذا مَعْرُوفٌ.
قوله: (وَإِنَّ هذا سَأَلَنِي) : (إنَّ) : بكسر الهمزة، وتشديد النون.
قوله: (فَأُخِذَ) : هو بضَمِّ الهمزة، مَبْنيٌّ لِما لمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وكذا الثانية، وأنَّه غطَّ حتى ركض برجله الأرض، وفي «مسلمٍ» ما معناه: أنَّ يده يبست.
قوله: (فَأُطْلِقَ) : مَبْنيٌّ لِما لمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهذا ظاهِرٌ، وكذا الثانية.
قوله: (فَأَوْمَأَ) : بفتح الهمزتين، الأولى والأخرى.
قوله: (مَهْيَا) : قال ابن قرقول: (مَهيَم) : كلمةٌ يمانيَّةٌ؛ معناها: ما هذا أو ما شأنُكِ، وجاء للقابسيِّ، وبعض نسخ النَّسَفيِّ، وأبي ذرٍّ في هذا الحرف في حديث سارة: (مهيا) ، والأوَّل هو المعروف، ولابن السكن والنَّسَفيِّ أيضًا: (مَهيَن) ؛ بالنون، وفي بعض النسخ عن أبي ذرٍّ: (مهيًا) ؛ بالتنوين، وكلُّه يُعتبَر ووقع في «الاستملاء» إلَّا الأوَّل، انتهى.
قوله: (تِلْكَ أُمُّكُمْ، يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ [5] ) : قال كثيرون: المراد بـ (بني مَاءِ السَّمَاءِ) : العرب كلُّهم؛ لخلوص نسبهم وصفائه، وقد سبق في (الجهاد) في هذا التعليق كلامٌ للسهيليِّ فيه، وهو كلامٌ حَسَنٌ، وقال القاضي عياض وابن قرقول واللَّفظ لابن قرقول: الأظهر عندي أنَّه أراد بذلك الأنصار خاصَّةً، ونسبهم إلى جدِّهم عامرٍ مَاءِ السَّمَاءِ؛ وهو عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن، وكان يُعرَف بماء السماء، أي: عامرًا كما قدَّمته، وهو مشهورٌ بذلك، والأنصار كلُّهم من ولد حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور، والله أعلم.
ويقال: إنَّما أراد ماء زمزم، أنبعها الله لهاجرَ فعاشوا بها، فصاروا كلُّهم أولادَها، وهذا عُزيَ لابن حِبَّانَ في «صحيحه» ، فقال: كلُّ من كان من ولد هاجر يقال له: ابن ماء السماء؛ لأنَّ إسماعيل من هاجر، وقد ربا بماء زمزم، وهي ماء السماء الذي أكرم الله به إسماعيل حين ولدته أمُّه هاجر، فأولادها أولاد ماء السماء، والله أعلم.