قوله: (أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: «لاَ تُجِيبُوهُ» ) : إنَّما نهاهم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن إجابته؛ لأنَّ كَلَبَهم لم يكن بَرَدَ بعدُ [في] طلب القوم، ونار غيظه بعدُ متوقِّدة، فلما قال أبو سفيان لأصحابه ما قال؛ حَمِيَ عمر رضي الله عنه، واشتدَّ غضبه، وقال ما قال، فكان في هذا الإعلام من الإدلال والشجاعة وعدم الجبن والتَّعرُّف إلى العدوِّ في تلك الحال ما يؤذنهم بقوَّة القوم، وأنَّهم لم يهِنوا، ولم يضعفوا، وأنَّه وقومه تحت الخوف منهم، وقد أبقى الله لهم ما يخزيهم، وكان في الإعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة وهلةً بعد ظنِّه وظنِّ قومه أنَّهم قد أُصيبوا من المصلحة، وغيظ العدوِّ وحربه، والفتِّ في عَضُده؛ من المصلحة ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحدًا واحدًا، فكان سؤاله عنهم ونعيُهم لقومه آخر سهام العدوِّ وكيده، فصبر له النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى استوفى كيده، ثُمَّ انتدب له عمر رضي الله عنه بالجواب، فردَّ سهامه عليه، فكان تركُ الجواب أوَّلًا أحسن، وذكره ثانيًا أحسن، وأيضًا فإنَّ في ترك إجابته حين سأل عنهم إهانةً له، وتصغيرًا لشأنه، فلمَّا منَّته نفسه موتَهم، وظنَّ أنَّهم قد قُتِلوا، وحصل له بذلك من الكبر والأشر ما حصل؛ كان في جوابه إهانةٌ، وتحقير، وإذلال، ولم يكن هذا مخالفًا لقوله: «لا تجيبوه» ، وأنَّه إنَّما نهى عن إجابته لمَّا سأل: أفيكم محمَّد؟ أفيكم فلان؟ ولم ينه عن إجابته لمَّا قال: أمَّا هؤلاء؛ فقد قُتِلوا، ولكلٍّ حالٌ، فلا أحسن من ترك إجابته أوَّلًا، ولا أحسن من إجابته ثانيًا.
فإن قيل: فما الحكمة من سؤاله عن هؤلاء الثلاثة دون غيرهم؟
وجوابُه: أنَّ الحكمة في ذلك علمه وعلم قومه أنَّ قيام الدين والإسلام بهم، والله أعلم.
قوله: (مَا يخْزِيكَ) : من الخزي، وهو معروفٌ، وكان هذا كشفٌ من عمر وإخبارٌ عن يوم الفتح.
قوله: (أُعْلُ هُبَلْ) : هو أمر بالعلوِّ، قال ابن قُرقُول: ليرتفع أمرُك، ويعزَّ دينك، انتهى، وقال شيخنا: قال الداوديُّ: وفي رواية: (اعلي هُبل، ارق الجبل) ؛ يعني: علوته حتَّى صرت كالجبل العالي، قال: ويحتمل أن يريد بقوله: (ارق الجبل) : تعيير المسلمين حين انحازوا إلى الجبل، انتهى، و (هُبَل) ؛ بضمِّ الهاء، وفتح الباء الموحَّدة، وباللام: اسم صنمٍ لهم، وكان داخل الكعبة، قال السهيليُّ في «روضه» : (وهبل جاء به عمرو بن لُحيٍّ من هيت _وهي من أرض الجزيرة_ حتَّى وضعه في الكعبة) ، انتهى، وقد تَقَدَّم، ونقل شيخنا عن ابن إسحاق قال: وحدَّثني بعضُ أهل العلم، فذكر قصَّةً فيها عمرو بن لُحيٍّ جاء بهبل من مآب من أرض البلقاء، انتهى، وقد تَقَدَّم.
قوله: (أَجِيبُوهُ) : هو بفتح الهمزة من الإجابة، وهو رُباعيٌّ، أمرهم صلَّى الله عليه وسلَّم بجوابه عند افتخاره بآلهتِه وبشركه؛ تعظيمًا للتوحيد، وإعلامًا بعزَّة من عبده من المسلمين، وقوَّة جانبه، وأنَّه لا يغلب، ونحن حزبه وجنده، والله أعلم.