قوله: (أُنْزِلَتْ عَلَيَّ [اللَّيْلَةَ] سُورَةٌ، لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَرَأَ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1] ) : قال ابن سعد: أقام _يعني: النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم_ بالحديبية بضعة عشر يومًا، ويقال: عشرين ليلة، ثُمَّ انصرف، فلمَّا كانوا بضَجْنَان؛ نزلت عليه: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} ، وضَجْنَان: جبيل على بريدٍ من مكَّة؛ بفتح الضاد المعجمة، ثُمَّ جيم ساكنة، ثُمَّ نونين، بينهما ألف، وحكى شيخنا في المكان الذي أنزلت عليه (الفتح) أقوالًا؛ فعند أبي معشر: بالجحفة، وفي «الإكليل» عن مجمع بن جارية: بكُراع الغميم، وعند ابن سعد: بضَجْنَان، انتهى.
قوله: (لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) : وسيجيء مثله في (تفسير الفتح) ، وفي (فضائل القرآن) كذلك، فإن قلت: فما معنى قوله: (لهي أحبُّ إلي ممَّا طلعت [عليه] الشمس) مع خساسة قدر الدنيا عنده عليه السلام وضعة منزلتها؟
فالجواب: له وجهان؛ أحدهما: أنَّ المراد بما ذكر: أنَّها أحبُّ إليه من كلِّ شيءٍ، لا شيءَ إلَّا الدنيا والأخرى، فأخرج الشيءَ عن ذكر الدنيا؛ إذ لا شيء سواها إلَّا الآخرة.
ثانيهما: أنَّه خاطب بذلك على ما جرى في الاستعمال في المخاطبة من قولهم إذا أراد أحدهم الخبر عن نهاية محبَّته الشيء: هو أحبُّ إليه من الدنيا، وما أعدِلُ به من الدنيا شيئًا؛ كما قال تعالى: {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} [العلق: 15] ، ويعني: لنُذلَّنَّه، فخاطبهم بما يتعارفونه، والله أعلم.