فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 15510

وأراد العراقي بإمام الفن البخاري فإنه لما قدم بغداد سأله أهلها أن يعقد لهم مجلسًا للحديث فأجابهم لذلك، وعين لهم يومًا، فاجتمعوا على أن يقلبوا متون مائة وأسانيدها، فجعلوا سند متن لمتن آخر، وحديث سند لسند آخر، وعينوا عشرة رجال لكل واحد منهم عشرة أحاديث، وتواعدوا على أن يلقوها على البخاري؛ ليختبروا حفظه، فلما انعقد المجلس واطمأن بأهله من البغداديين وغيرهم من أهل خراسان وغيرها ممن لا يحصون انتدب رجل من العشرة فسأله عن أحاديثه واحدًا بعد واحد على الوجه الذي رتبوه، وفي كل حديث منها يقول البخاري: لا أعرفه، فكان العلماء العارفون يلتفت بعضهم إلى بعض ويقول: فهم الرجل، ومن كان منهم بخلاف ذلك يقضون عليه بالعجز والتقصير وقلة الحفظ والفهم، وهكذا وقع في الثاني والثالث إلى تمام العشرة، والبخاري لا يزيد واحدًا منهم على قوله: لا أعرفه، فلما فرغوا جميعًا التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول فقلت كذا، وصوابه كذا، وحديثك الثاني كذا، وصوابه كذا إلى آخر أحاديثه على الولاء، وهكذا فعل مع السائل الثاني، والثالث إلى تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، فأقر الناس له بالفضل وأذعنوا له بالحفظ.

قال الحافظ في (( المقدمة ) ): فمن هنا يخضع للبخاري، فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظًا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة، انتهى.

وأقول: لم أقف على تعيين المائة حديث التي ألقوها عليه ولا العشرة رجال فلتنظر، ثم قال في (( المقدمة ) ): وقال أبو الأزهر: كان بسمرقندى أربعمائة محدث، فتجمعوا وأحبوا أن يختبروا محمد بن إسماعيل

فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن، فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة، انتهى.

فلله دره من حافظ وعالم بالحديث قد اعترف له بذلك الأئمة في القديم والحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت