فهرس الكتاب
بها، ونعتقد لها معنًى يليق بجلال الله تعالى مع اعتقادنا الجازم أنَّ الله تعالى ليس كمثله شيءٌ، وأنَّه منزَّه عن التجسيم، والانتقال، والتحيُّز في جهة، هذا القولُ هو مذهبُ جماعة من المتكلِّمين، واختاره جماعةٌ من محقِّقيهم، وهو أسلَمُ، والقول الثاني وهو مذهب معظم المتكلِّمين: أنَّها تتأوَّل على ما يليق بها على حسب مواقعِها، وإنَّما يسوغ تأويلها لمن كان مِن أهله؛ بأن يكونَ عارفًا بلسان العرب، وقواعدِ الأصول والفُروع، فعلى هذا؛ يُقال في قوله: «فيأتيهم الله» : إنَّ الإتيانَ عبارةٌ عن رؤيتهم إيَّاه، فعبَّر بالإتيان والمجيء هنا عن الرؤية مجازًا، وقيل: الإتيان: فعلٌ من أفعال الله تعالى سمَّاه إتيانًا، وقيل: المراد بـ «يأتيهم» [2] ؛ أي: يأتيهم بعضُ ملائكته، قال القاضي عياض: وهذا الوجهُ أشبه عندي بالحديث، ويكون هذا المَلَك الذي جاءهم بالصُّورة التي أنكروها من سمات الحدث الظاهرةِ على المَلَكِ والمخلوقِ، قال: أو يكون معناه: يأتيهم الله في صورة؛ أي: يأتيهم بصُورة، ويُظهِر لهم من صُور ملائكته ومخلوقاته التي لا تشبه صفاتِ الإله؛ ليختبرهم، وهذا آخر امتحان المؤمنين، فإذا قال لهم المَلَك أو هذه الصُّورة: أنا ربُّكم؛ رأوا عليه من علاماتِ المخلوق ما ينكرونه، ويعلمون أنَّه ليس ربَّهم، ويستعيذون بالله منه، وأمَّا قوله [3] : «فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون» ؛ فالمراد بـ (الصورة) هنا: الصفة؛ ومعناه: فيتجلَّى لهم سبحانه على الصفة التي يعلمونها ويعرفونه بها، وإنَّما عرفوه بصفته وإن لم تكن تَقَدَّمَت لهم رؤيةٌ له سبحانه؛ فإنَّهم يرونه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، وقد علموا أنَّه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، فيعلمون أنَّه ربُّهم، فيقولون: أنت ربُّنا، وإنَّما عبَّر عن الصفة بـ (الصورة) ؛ لمشابهتها إيَّاها، ولمجانسة الكلام، فإنَّه تَقَدَّمَ ذكر (الصورة) .
وأمَّا قولهم: (نعوذ بالله منك) ؛ فقال الخَطَّابيُّ: يحتمل أن تكون هذه الاستعاذة من المنافقين خاصَّةً، وأنكر هذا القاضي عياض، وقال: لا يصحُّ أن تكونَ من المنافقين، ولا يستقيم الكلامُ به، قال النَّوَويُّ: وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب، وإنَّما استعاذوا منه لما قدَّمناه من كونهم رأوا سماتِ المخلوق، وأمَّا قولهم: (فيتَّبعونه) ؛ فمعناه: يتَّبعون أمرَه إيَّاهم بذهابهم إلى الجنَّة، أو يتَّبعون ملائكته الذين يذهبون بهم إلى الجنَّة، والله أعلم.