قوله: ( «وَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي» ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ ابْنُ سِيْرين: إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ) : هذا القدر ثابت في بعض الروايات؛ قولُ ابن سيرين، و (أبو عبد الله) : هو البُخاريُّ، وهذا ظاهِرٌ جدًّا، قال شيخنا في غير شرح هذا «الكتاب» فيما قرأته عليه: (قال القاضي أبو بكر: معناه: أنَّ رؤياه صحيحة، ليست بأضغاث أحلام، وقال آخرون: معناه: أنَّه رآه حقيقة، قال عياض: ويحتمل أن يكون المراد ما إذا رآه على صفته المعروفة له في حياته، فإن رآه على خلافها؛ كانت رؤيا تأويل، لا رؤيا حقيقة) ، انتهى، وهذا هو الذي قاله ابن سيرين، ومقتضى إيراد البُخاريِّ له عقب الحديث اختيارُه وتقييدُ الحديث المُطلَق به، قال الشيخ محيي الدين بعد أن نقل هذا الكلام عن القاضي: (وهذا الذي قاله القاضي ضعيفٌ، بل الصَّحيح: أنَّه رآه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها، كما ذكره المازريُّ) انتهى، وقد نقل النَّوويُّ كلام ابن الباقلَّانيِّ، والمازريِّ، والقاضي، وغيرِهم؛ فانظر ذلك، قال شيخنا: (قال بعض العلماء: خُصَّ عليه السَّلام بأنَّ رؤيته في المنام صحيحة، ومُنِع الشيطان أن يتصوَّر في خلقته؛ لئلَّا يكذب على لسانه في النَّوم، كما منعه أن يتصوَّر في صورته في اليقظة؛ إكرامًا له، إذا تقرَّر؛ فما سمعه الرَّائي منه في المنام ممَّا يتعلَّق بالأحكام لا يُعمَل به؛ لعدم الضبط، لا للشَّكِّ في الرؤية، فإنَّ الخبر لا يُقبَل إلَّا من ضابط مُكلَّف، والنائم بخلافه، هذا ما قاله القاضي حُسين في «فتاويه» في مسألة صيام رمضان، وآخرون مِن الأصحاب، وجزم به في «الرَّوضة» من «زوائده» في أوَّل الكلام على الخصائص، ونقل القاضي عياض الإجماعَ عليه، ونقل النَّوويُّ أيضًا في «شرح مسلم» في(باب بيان أنَّ الإسناد من الدين) عن أصحابنا وغيرهم: أنَّهم نقلوا الاتِّفاق على أنَّه لا يغيِّر ما رآه النَّائم ما تقرَّر في الشرع، ثمَّ قال: وهذا في منام يتعلَّق بإثبات حكم، على خلاف ما يحكم به لولاه، أمَّا إذا رآه يأمره بفعلِ ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهيٍّ عنه، أو يرشده إلى فعلٍ مصلحة؛ فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه؛ لأنَّ ذلك ليس حكمًا بمجرَّد المنام، بل بما تقرَّر مِن أصل ذلك الشَّيء، نعم؛ في «فتاوى الخياطيِّ» من جلَّة أصحابنا: أنَّ إنسانًا رأى النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في منامه على الصِّفة المنقولة، فسأله