فهرس الكتاب
تنبيهٌ: الميزان حقٌّ، ولا يكون في حقِّ كلِّ أحد؛ بدليل قوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: «فيقال: يا مُحَمَّد؛ أَدخِل الجنَّة من أمَّتك مَن لا حسابَ عليه ... » ؛ الحديث، وقولِه تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} ... ؛ الآية [الرَّحْمَن: 41] ، وإنَّما يكون لمن بقيَ من أهل المحشر ممَّن خَلَطَ عملًا صالحًا وآخَرَ سيِّئًا من المؤمنين، وقد يكون للكافرين؛ لقولِه تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 8 - 9] ، وقولِه: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} ... ؛ الآية [الأعراف: 9] ، ولغيرِ ذلك، والناسُ في الآخرة على ثلاث طبقات _كما قال العلماء_: مُنَقَّون لا كبائرَ لهم، ومُخَلِّطُون، وكفَّار، فأمَّا المنقَّون؛ فإنَّ حسناتِهم تُوضَع في الكِفَّة النيِّرة، وصغائرهم _إن كانت_ في الكِفَّة الأخرى، فلا يجعل لتلك الصغائر وزنًا، وتثقل الكِفَّة النيِّرة حتَّى لا تبرح، وترتفع الأخرى المظلمة ارتفاعَ الفارِغِ الخالي [4] ، وأمَّا المُخَلِّطون؛ فحسناتهم توضع في النيِّرة، وسيِّئاتهم في المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل، فإن كانت الحسناتُ أثقلَ ولو بصُؤابةٍ؛ دخل الجنَّة، وإن كانتِ الأخرى أثقلَ ولو بصؤابةٍ؛ دخل النَّار إلَّا أن يعفوَ اللهُ تعالى، وإن تساوَتا؛ كان من أصحاب الأعراف؛ لما رواه خيثمة بن سليمان في «مسنده» عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: «تُوضَع الموازين يوم القيامة، فتُوزَن الحسنات والسيِّئات، فمَن رجحت حسناته على سيِّئاته مثقالَ صؤابةٍ؛ دخل الجنَّة، ومَن رجحت سيِّئاته على حسناته مثقالَ صُؤَابَة؛ دخل النار» ، قيل: يا رسول الله؛ فمن استوت حسناته وسيِّئاته؟ قال: «أولئك أصحاب الأعراف، لم يدخلوها وهم يطمعون» ، وذكر عبد الله بن المبارك: أخبرنا أبو بكر الهُذَليُّ عن سعيد الهُذَليِّ، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن مسعود قال: (يحاسب الله تعالى الناسَ يوم القيامة، فمَن كانت حسناتُه أكثرَ من سيِّئاته بواحدةٍ؛ دخل الجنَّة، ومن كانت سيِّئاتُه أكثرَ من حسناته بواحدةٍ؛ دخل النار) ، ثُمَّ قرأ: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 102 - 103] ، ثُمَّ قال: