قوله: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ) : (بَرْك) ؛ بفتح الموحَّدة لأكثر الرُّواة، وبعض الرُّواة يكسرها، وهو موضع في أقاصي هجر، وبكسر الباء وقع للأَصيليِّ، والمستملي، والحمُّوي، و (الغِمَاد) ؛ بكسر الغين المعجمة وضمِّها _كذا ذكره ابن دريد_ وتخفيف الميم، وفي آخره دالٌ مهملةٌ، وقال شيخنا مجد الدين في «قاموسه» : ( «وبَرك الغِمَاد» : مثلَّثة الغين؛ الفتح عن القزَّاز، موضع، أو هو أقصى معمور الأرض، عن ابن عُلَيم في «الباهر» ) ، انتهى، وفي «سيرة ابن هشام» : عن ابن إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن عروة، عن عائشة قصَّة الهجرة، وفيها: (استأذن أبي أبو بكر رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيه وسلَّمَ في الهجرة، فأذن له، فخرج أبو بكر مُهاجرًا حتَّى إذا سار يومًا أو يومين؛ لقيه ابن الدغنة أخو بني الحارث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذٍ سيِّد الأحابيش ... ) ؛ الحديث، انتهى، وهذا سند صحيح، وأقل ما يقال فيه: إنَّه حسن، وفوق الحسن، كما قدَّمته في ترجمة مُحَمَّد بن إسحاق بن يسار صاحب «المغازي» .
وبين (بِرك الغِمَاد) وقولِ عائشة تباينٌ كثيرٌ، ولعلَّ وجه الجمع بين كلامها وبين كلام من ذكر (برك الغِمَاد) : ما ذكره أبو إسحاق بن الأمين في حواشيه على «استيعاب ابن عبد البَرِّ» في ترجمة عمَّار بن ياسر، فإنَّه قال تجاه قوله: (سعفات هجر) ما لفظه: في «العين» : (سعفات هجر) : نخل، وقال الحربيُّ: (سعفات هجر) : موضع تباعد؛ مثل: حوض الثَّعلب، ومدر الفلفل، وبرك الغِمَاد، فيكون قولها: (حتَّى إذا بلغ برك الغِمَاد) ؛ تعني: مكانًا بعيدًا، فـ (برك الغِمَاد) عَلَمٌ على ما ذكروه وعلى المكان البعيد، أو المراد: ما ذكره في «القاموس» عن ابن عُلَيم، والله أعلم، أو يقال: إنَّ حديث «الصَّحيح» فيه زيادةٌ على حديث «السِّيرة» ، فيُؤخُذ بها، والله أعلم.