فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
التنبيه الثاني: قال التوربشتي: الحكمة في ضربه عليه الصلاة والسلام في الجواب بالمثل المذكور من قوله: (مثل صلصلة الجرس) أنه عليه الصلاة والسلام كان معتنيًا بالبلاغة مكاشفًا بالعلوم الغيبية، وكان موفرًا على الأمة حصتهم بقدر الاستعداد، فإذا أراد أن ينبئهم بما لا عهد لهم به من تلك العلوم صاغ لها أمثلة من عالم الشهادة ليعرفوا بما شاهدوا ما لم يشاهدوه، فلما سأله الصحابي عن كيفية الوحي، وكان ذلك من المسائل العويصة ضرب لها في الشاهد مثلًا بالصوت المتدارك الذي يسمع، ولا يفهم منه شيء تنبيهًا على أن إتيانها يرد على القلب في لبسة الجلال فتأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلوب ويلاقي من ثقل القول ما لا علم له به مع وجود ذلك فإذا كشف عنه وجد القول المنزل بينًا فيلقى في الروع واقعًا موقع المسموع.
وهذا معنى قوله: (فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال) وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قضى الله في السماء أمرًا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير) . انتهى.
وروى الطبراني وابن أبي عاصم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه رفعه: (إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة أو رعدة شديدة من خوف الله تعالى فإذا سمع أهل السماء صعقوا وخروا سجدًا فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد فينتهي به إلى الملائكة كلما مرَّ بسماء سأله أهلها: ماذا قال ربنا؟ قال: الحق، فينتهي به حيث أمره الله من السماء والأرض) .