فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قلت: إما أن يقدر: فإن لم تكن تراه فاعبده، أو: فاعتبر أنت أو فأخبر أنا بأنه يراك كما تقول في إن أكرمتني فقد أكرمتك أمس: أن المراد أن تعتد بإكرامك فاعتد بإكرامي، أو: فإن تخبر بذاك فأخبر بهذا، وهو قول النحوي، وأما أن تقدر: فإن لم تكن تراه فلا تغفل فإنه يراك فإن رؤيته مستلزمة أن لا تغفل عنه، يعني أنه مجاز في كونه جزاء، والمراد لازمه وهو قول البياني.
وقال في (( الفتح ) ): وأقدم بعض غلاة الصوفية على تأويل الحديث بغير علم، فقال: فيه إشارة إلى مقام المحو والفناء، وتقديره: فإن لم تكن؛ أي: فإن لم تصر شيئًا، وفنيت عن نفسك حتى كأنك لست بموجود، فإنك حينئذٍ تراه، وغفل قائل هذا للجهل بالعربية عن أنه لو كان المراد ما زعم لكان قوله: (تراه) محذوف الألف؛ لأنه يصير مجزومًا، لكونه على زعمه جواب الشرط، ولم يرد في شيء من طرق هذا الحديث بحذف الألف، وإثباتها في الفعل المجزوم على خلاف القياس فلا يصار إليه إذ لا ضرورة هنا، وأيضًا: لو كان ما ادعاه صحيحًا لكان قوله: (فإنه يراك) ضائعًا؛ لأنه لا ارتباط له بما قبله.
ومما يفسده رواية كهمس، فإن لفظها: (فإنك إن لا تراه فإنه يراك) ، وكذا رواية سليمان التيمي، فسلط النفي على الرؤية لا على الكون الذي حمل على ارتكاب التأويل المذكور.
وفي رواية أبي فروة: (فإن لم تره فإنه يراك) ونحوه في حديث أنس وابن عباس، وكل هذا يبطل التأويل المتقدم، انتهى.
وأقول: إثبات ألف (تراه) جار على القواعد النحوية وصحيح لكون فعل الشرط ماضيًا معنى، ومتى كان فعل الشرط ماضيًا، ولو معنى كما صرح به النحاة كابني مالك وهشام فإن رفع الجزاء حسن.
قال ابن مالك:
~وبعد ماض رفعك الجزاء حسن
وحينئذٍ فلا يتوجه رد الشارح رحمه الله من جهة العربية، ويكون جاريًا على القياس ولا ضرورة هناك، وإن كان الجزم أرجح ومجيء تلك الروايات لا على نسقه لا يلزم منه بطلان