فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
هذا الوجه، وأما قوله: (فإنه يراك) فهو مرتبط بمقدر، يدل عليه المقام ويناسبه نحو: فإن لم تفن عن نفسك ولم تصل لهذا المقام فلا تقصر في عبادته، فإنه يراك، وأما قوله: ومما يفسده رواية كهمس إلخ، فإن النفي فيه مسلط على الرؤية لا على الكون.
فجوابه: أن النفي أيضًا فيما قاله هذا القائل متوجه إلى الرؤية؛ لأنها قيد، فالنفي منصب عليها كما هو الأكثر في نظائره، كما قاله السعد عن الشيخ عبد القاهر، فاعرفه.
لكن يرد على التوجيه أنه تقتضي إثبات رؤية الله تعالى حينئذٍ في الدنيا، وهو مخالف لصرائح الأحاديث الصحيحة التي منها: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) فلو رد عليه بهذا الوجه لكان مستقيمًا، ولعل هذا القائل أراد بالرؤية مزيد علم به، وانكشاف لا يحصل لمن لم يكن كحالته من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، وحينئذٍ فلا يرد عليه شيء من الأحاديث، والله أعلم فتأمل وأنصف.
وقد أشار الحديث في الجواب إلى حالتين:
أولاهما: وهي أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى كأنه يراه بعينه.
وثانيتهما دونها: وهي أن يستحضر أن الحق مطلع عليه يرى كل ما يعمل.
وهاتان الحالتان تثمرهما معرفة الله تعالى وخشيته، ثم رأيت العيني قد وافقه على أنه تأويل فاسد غير أنه قال معترضًا على (( الفتح ) )قال: وهذا الجواب لا يقطع شغبهم؛ لأن لهم أن يقولوا: الجزاء جملة حذف صدرها تقديره: فأنت تراه، انتهى.
وما قلناه في الدفع أولى، ولذا عبر في رواية عمارة بن القعقاع، وفي حديث أنس بقوله: (أن تخشى الله كأنك تراه) وهذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم إذ هو كما علمت شامل لمقام المشاهدة ومقام المراقبة.
قال أبو عبد الله الأبي: ويتضح لك ذلك بأن تعرف أن للعبد في عبادته ثلاث مقامات:
الأول: أن يفعلها على الوجه الذي يسقط معه وظيفة التكليف باستيفاء الأركان والشروط، وهذا لازم على كل مكلف.