فهرس الكتاب

الصفحة 974 من 15510

المقام الثاني: أن يفعلها كذلك، وقد استغرق في بحار المكاشفة حتى كأنه يرى الله تعالى، وهذا مقامه صلى الله عليه وسلم كما قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) لحصول الاستلذاذ بالطاعة والراحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه، وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب، واشتغال السر به، ونتيجة نسيان الأحوال من المعلوم، واضمحلال الرسوم.

المقام الثالث: أن يفعلها وقد غلب عليه أن الله تعالى شاهده، وهذا هو مقام المراقبة، فقوله: (فإن لم تكن تراه) نزول عن مقام المكاشفة إلى مقام المراقبة؛ أي: إن لم تعبده وأنت من أهل الرؤية المعنوية، فاعبده وأنت بحيث أنه يراك، وكل من المقامات الثلاث إحسان إلا أن الإحسان الذي هو شرط في صحة العبادة إنما هو الأول، وأما الإحسان بالمقامين الأخيرين فإنما هو من صفة الخواص التي يتعذر الاتصاف بها على كثيرين.

وقال الخطابي: اختلاف هذه الأسماء الثلاثة يوهم افتراقًا في أحكامها، وليس الأمر كذلك إنما هو اختلاف ترتيب وتفصيل لما يتضمنه اسم الإيمان من قول وفعل وإخلاص ألا ترى حين سأله عن الإحسان قال: (أن تعبد الله) ، كذا وهو إشارة إلى الإخلاص في العبادة، ولم يكن هذا المعنى خارجًا عن الجوابين الأولين، فدل أن التفرقة في هذه الأسماء إنما وقعت بمعنى التفصيل، وعلى سبيل الزيادة في البيان والتوكيد، والدليل على ذلك أنه جعل في حديث الوفد هذه الأعمال كلها إيمانًا. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت