فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال النووي: وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية السالكين، وكنز العارفين، ودأب الصاحين، وتلخيص معناه: أن تعبد الله عبادة من يرى الله ويراه الله فإنه لا يستبقي شيئًا من الخضوع والإخلاص، وحفظ القلب والجوارح، ومراعاة الآداب ما دام في عبادته (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، بمعنى: أنك إنما تراعي الأدب إذا رأيته ورآك لكونه يراك لا لكونك تراه، وهذا المعنى موجود وإن لم تره لأنه يراك، وحاصله: الحث على كمال الإخلاص في العبادة ونهاية المراقبة وهو من
جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعًا من تلبسه بشيء من النقائص احترامًا لهم واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال الله مطلعًا عليه في سره وعلانيته. انتهى.
وقال القاضي عياض: وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه.
تنبيه: قد دل سياق الحديث كما في (( الفتح ) )على أن رؤية الله في الدنيا بالأبصار غير واقعة، وأما وقوعها لنبينا صلى الله عليه وسلم على الأصح، فذاك لدليل آخر.
وفي (( صحيح مسلم ) )من حديث أبي أمامة رفعه: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) .
ويعلم منه كما قال الكرماني: أنه لا يشترط في الرؤية خروج الشعاع من الباصرة، ولا انطباع صورة المرئي في الحدقة، ولا مواجهة ولا رفع الحجب، فيجوز أن يكون تعالى وتقدس مرئيًا لنا في الآخرة إذ هي حالة يخلقها الله تعالى في الحاسة، وهذه المذكورات شروط لها عادة، وقد تتخلف، ولهذا جوز الأشاعرة أن يرى أعمى العينين مدينة أندلس.