[330] وأنشدنا أبو بكر بن دريد وقرأنا أيضا عليه: [الرجز]
أقبلن من أعلى فياف بسحر ... يحملن صلّالا كأعيان البقر
قوله: يحملن صلّالا أي: يحملن فحما يصلّ أي: يصوّت. وأعيان: جمع عين.
وقرأنا عليه أيضا لزيد الخيل: [الوافر]
نصول بكل أبيض مشرفيّ ... على الّلاتي بقى فيهنّ ماء
عشيّة نؤثر الغرباء فينا ... فلا هم هالكون ولا رواء
يعني: أنهم يفتظّون الإبل فيأخذون ما بقي في كروشها من الماء. ومثله: [الطويل]
وشربة لوح لم أجد لشفائها ... بدون ذباب السّيف أو شفره حلّا
وحدثنا أبو بكر، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن عمه قال: بينما أنا سائر بناحية بلاد بني عامر، إذ مررت بحلّة في غائط يطؤهم الطريق، وإذا رجل ينشد [1] في ظلّ خيمة له وهو يقول [2] : [الطويل]
أحقّا عباد الله أن لست ناظرا ... إلى قرقرى [3] يوما وأعلامها الغبر
كأنّ فؤادي كلّما مرّ راكب ... جناح غراب رام نهضا إلى وكر
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقة ... دعاك الهوى واهتاج قلبك للذّكر
فيا راكب الوجناء أبت مسلّما ... ولا زلت من ريب الحوادث في ستر
إذا ما أتيت العرض فاهتف بجوّه ... سقيت على شحط النّوى سبل القطر
فإنّك من واد إليّ مرجّب ... وإن كنت لا تزدار إلّا على عفر
قال: فأذنت له وكان ندي الصوت، فلما رآني أومأ إليّ فأتيته فقال: أأعجبك ما سمعت؟ فقلت: إي والله، فقال: من أهل الحضارة أنت؟ قلت: نعم، قال: فممن تكون؟
قلت: لا حاجة لك في السؤال عن ذلك، فقال: أو ما حلّ الإسلام الضّغائن وأطفأ الأحقاد؟
قلت: بلى، قال: فما يمنعك إذا؟ قلت: أنا امرؤ من قيس، فقال: الحبيب القريب من أيّهم؟
قلت: أحد بني سعد بن قيس، ثم أحد بني أعصر بن سعد، فقال: زادك الله قربا، ثم وثب فأنزلني عن حماري، وألقى عنه إكافه وقيّده بقراب خيمته، وقام إلى زند فاقتدح وأوقد نارا، وجاء بصيدانة فألقى فيها تمرا وأفرغ عليه سمنا، ثم لفته حتى التبك، ثم ذرّ عليه دقيقا وقرّبه إليّ، فقلت: إني إلى غير هذا أحوج، قال: وما هو؟ قلت: تنشدني، فقال: أصب فإني فاعل، فلقمت لقيمات وقلت: الوعد، فقال: ونعمى عين، ثم أنشدني: [الطويل]
لقد طرقت أمّ الخشيف وإنّها ... إذا صرع القوم الكرى لطروق
(1) انظر: الفقرة الآتية برقم [341] .
(2) انظر: «التنبيه» [30] .
(3) قرقري: اسم موضع. ط