والنّساء: التأخير، يقال: بعته بنساء وبنسيئة، أي: بتأخير، وأنسأته البيع.
وقال الله عزّ وجلّ: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيََادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] ، والمعنى فيه على ما حدثني أبو بكر بن الأنباري رحمه الله: أنهم كانوا إذا صدروا عن منى قام رجل من بني كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة، فقال: أن الذي لا أعاب، ولا يردّ لي قضاء، فيقولون له: أنسئنا شهرا، أي: أخّر عنّا حرمة المحرّم فاجعلها في صفر، وذلك أنهم كانوا يكرهون أن تتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا تمكنهم الإغارة فيها لأن معاشهم كان من الإغارة، فيحلّ لهم المحرّم ويحرّم عليهم صفرا، فإذا كان في السنة المقبلة حرّم عليهم المحرم وأحلّ لهم صفرا، فقال الله عز وجل: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيََادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] .
[6] وقال الشاعر: [الوافر]
ألسنا النّاسئين على معدّ ... شهور الحلّ نجعلها حراما
[7] وقال الآخر: [الوافر]
وكنّا الناسئين على معدّ ... شهورهم الحرام إلى الحليل
[8] وقال الآخر: [الكامل]
نسئوا الشهور [1] بها وكانوا أهلها ... من قبلكم والعزّ لم يتحوّل
[تفسير: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} ] :
قال أبو بكر بن الأنباري رحمه الله: معنى قوله عزّ وجلّ: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}
[محمد: 30] أي: في معنى القول، وفي مذهب القول، وأنشد للقتّال الكلابي: [الكامل]
ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ... ووحيت وحيا ليس بالمرتاب
[معنى اللّحن] :
معناه: ولقد بيّنت لكم. واللّحن بفتح الحاء: الفطنة، وربما أسكنوا الحاء في الفطنة، ورجل لحن. أي: فطن، قال لبيد يصف كاتبا: [الكامل]
متعوّد لحن يعيد بكفّه ... قلما على عسب [2] ذبلن وبان
[10] ومن اللّحن: الحديث الذي يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلم أن رجلين اختصما إليه في مواريث وأشياء قد درست، فقال عليه السلام: «لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجّته من الآخر فمن قضيت له بشيء من حقّ أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار» [3] فقال كل واحد من
(1) مرجع الضمير فيه «مكة» ، كذا بهامش الأصل. ط
(2) العسب جمع عسيب، وهي جريدة من النخل مستقيمة، يكشط خوصها.
(3) رواه البخاري (2680/ وغير موضع) ، ومسلم (1713) ، وأبو داود (3583) ، والترمذي (1339) ، والنسائي (8/ 233) ، وابن ماجه (2317) من حديث أم سلمة بنحوه دون قول المتخاصمين.