أراد أنهم يخطّطون بقسيّهم ويفخرون فيقولون: فعلنا وفعلنا. والسّراء: خشب يتّخذ منه القسيّ، ومثله قول الحطيئة: [الكامل]
أم من لخصم مضجعين قسيّهم ... ميل خدودهم عظام المفخر
وذلك أن القوم إذا جلسوا يتفاخرون خطّوا بأطراف قسيهم في الأرض: لنا يوم كذا وكذا، ولنا يوم كذا وكذا، يعدّدون أيامهم ومآثرهم.
وحدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي رحمه الله! حدثنا محمد بن عبد الملك، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه هكذا قال يزيد بن هارون عن علي رضي الله تعالى عنه قال [1] : نعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم فقال: كان رسول الله صلّى الله عليه ضخم الهامة، كثير شعر الرأس، رجلا أبيض مشربا حمرة، طويل المسربة، شثن الكفّين والقدمين، طويل أصابعها. هكذا الحديث. ضخم الكراديس، يتكفّأ في مشيته كأنّما يمشي في صبب، لا طويلا ولا قصيرا، لم أر مثله قبله ولا بعده صلّى الله عليه وسلّم. قال أبو علي: الرّجل: استرسال الشّعر كأنه مسرّح، وهو ضدّ الجعودة، يقال رجل رجل الشّعر. والمسربة: الشعر المستدقّ من الصدر إلى السرة، وأنشدني أبو بكر بن دريد للحارث بن وعلة: [الكامل]
ألآن لمّا ابيضّ مسربتي ... وعضضت من نابي على جذم [2]
قال أبو عبيدة: والشّثن: الخشن الغليظ. وهذا من صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم التّمام وأنه ليس هناك استرخاء. وضخم الكراديس: يريد غليظ العظام، والكردوس: كلّ عظم عليه لحمه. قال أبو علي: ويتكفأ: يتمايل في مشيته، وهذا مدح في المشي لأنه لا يكون إلا عن تؤدة وحسن مشي. وقوله: في صبب، الصّبب: الحدور. والماشي يترفّق في الحدور.
[الفرق بين أهل العلم وأهل الجهل] :
وأملى علينا أبو عبد الله قال: من كلام العرب ووصاياها: جالس أهل العلم، فإن جهلت علّموك، وإن زللت قوّموك، وإن أخطأت لم يفنّدوك، وإن صحبت زانوك، وإن غبت تفقّدوك، ولا تجالس أهل الجهل، فإنك إن جهلت عنّفوك، وإن زللت لم يقوّموك، وإن أخطأت لم يثبّتوك.
(1) يريد: كبرت حتى أكلت على جذم نابي: قال في «اللسان» بعد أن ذكر البيت الأول وذكر بعده هذين البيتين:
وحلبت هذا الدهر أشطره ... وأتيت ما أتى على علم
ترجو الأعادي أن ألين لها ... هذا تخيل صاحب الحلم
(2) قال ابن برى: هذا الشعر ظنه قوم للحارث بن وعلة الجرمى وهو غلط وإنما هو للذهلي. ط