مع الحجّاج فأزال صفوفهم، فقال الحجاج للفرزدق وهو عنده: ألا ترى ما أكرم حملة بن عمّك؟ فقال: أيها الأمير، إنه رجل جواد، وقد سفر ماله فحمل حملة مفلس، فقال له الحجاج: فهل لك أن تحمل كما حمل وألحق عطاءك بعطائه؟ فقال: إني أخاف إذا حملت أن ينقطع أصل العطاء.
قال أبو محلم يقال: سفر الرجل ماله أي: مزّقة. وسفر الرجل شعره وجلمطه وجلطه وسحفه أي: حلقه. قال ثعلب: كان ابن الأعرابي ينشد: [الخفيف]
مولعات بهات هات وإن شفّ ... ر مال طلبن منك الخلاعا
فجعل المال هو الفاعل، ولا ينكر أن يكون أبو محلم لم يسمع البيت، فجعل الرجل فاعلا. قال أبو الحسن: حفظي بالسين غير المعجمة مخففا ومثقلا والشين منكرة [1] ، فإما أن يكون ابن الأعرابي سها أو سها الحاكي عنه. قال أبو علي: سفر من سفرت البيت أن كنسته، فكأنه لما مزّق ماله كنسه. وشفّر بالشين يجوز على وجه بعيد، كأنه أنفق ماله فبقى المال على شفير. ويمكن أن تكون الشين بدلا من السين كما قالوا: الجحاس والجحاش.
[148] وأنشد لرجل من عكل يقال له السّمهريّ بن أسد: [الطويل]
أقول لأدنى صاحبيّ نصيحة ... وللأسمر المغوار ما تريان
الأسمر هنا: رجل من طيّئ:
فقال الذي أبدى لي النّصح منهما ... أرى الرّأي أن تجتاز نحو عمان
فإن لا تكن في حاجب وبلاده ... نجاة فقد زلّت بك القدمان
فتى من بني الخطّاب يهتزّ للنّدى ... كما اهتزّ عضب الشّفرتين يمان
هو السيف إن لا ينته لان متنه ... وغرباه إن خاشنته خشنان
حاجب هذا هو حاجب بن خشينة العبشمي.
قال أبو محلم: كان تميم بن زيد القيني. والقين بن جسر من قضاعة. عاملا للحجاج على السّند، وكان معه في البعث رجل من بكر بن وائل يقال له خنيس، وكانت أمّه رقوبا لم يكن لها ولد غيره، فطال تجميرهم إيّاه. قوله رقوبا، الرّقوب: التي لا تلد إلا واحدا. والتجمير: أن يطول مقامه في البعث، يقال: جمّر فلان أي: حبس عن أهله. فاشتاقت إليه أمه، فدلّت على قبر غالب بن صعصعة أبي الفرزدق، فعاذت بقبره. وقبره بكاظمة وهو موضع بين اليمامة والبصرة على البحر وفيه رباط. فوجّه الفرزدق إلى تميم رجلا وكتب معه: [الطويل]
تميم بن زيد لا تكوننّ حاجتي ... بظهر ولا يعيا عليّ جوابها
(1) أورد البيت صاحب المحكم في مادة شفر بالمعجمة وخلع وحكى أن تشفير المال قلته. ط