بقّيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشنّ على ابن هند غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس
خيلا كأمثال السّعالي شزّبا ... تعدو ببيض في الكريهة شوس
حمي الحديد عليهم فكأنّه ... لمعان برق أو شعاع شموس
وأنشدني بعض أصحابنا: [الطويل]
ولكنّ عبد الله لما حوى الغنى ... وصار له من بين إخوانه مال
رأى خلّة منهم تسدّ بماله ... فساهمهم حتى استوت فيهم الحال
[خبر ليلى الأخيلية مع الحجاج] :
وحدثني أبو بكر بن الأنباري، قال: حدثني أبي، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد، عن أبي الحسن المدائني، عمن حدثّه، عن مولّى لعنبسة بن سعيد بن العاصي قال: كنت أدخل مع عنبسة بن سعيد بن العاصي إذا دخل على الحجاج، فدخل يوما فدخلت إليهما وليس عند الحجاج أحد إلا عنبسة، فأقعدني فجئ الحجاج بطبق فيه رطب، فأخذ الخادم منه شيئا فجاءني به، ثم جئ بطبق آخر حتى كثرت الأطباق، وجعل لا يأتون بشيء إلا جاءني منه بشيء، حتى ظننت أن ما بين يدي أكثر مما عندهما، ثم جاء الحاجب فقال: امرأة بالباب؟
فقال له الحجاج: أدخلها. فدخلت، فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصاب الأرض، فجاءت حتّى قعدت بين يديه، فنظرت فإذا امرأة قد أسنّت حسنة الخلق ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له، فقال لها:
يا ليلى، ما أتى بك؟ فقالت: إخلاف النجوم. وقلّة الغيوم، وكلب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرّفد. فقال لها: صفي لنا الفجاج، فقالت: الفجاج مغبرّة، والأرض مقشعرّة، والمبرك معتلّ. وذو العيال مختلّ، والهالك للقلّ، والناس مسنتون، رحمة الله يرجون، وأصابتنا سنون مجحفة مبلطة، لم تدع لنا هبعا، ولا ربعا، ولا عافطة ولا نافطة، أذهبت الأموال، ومزّقت الرجال، وأهلكت العيال، ثم قالت: إني قلت في الأمير قولا، قال: هاتي، فأنشأت تقول: [الطويل]
أحجّاج لا يفلل سلاحك إنّها ال ... منايا بكفّ الله حيث تراها
أحجاج لا تعطي العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها
إذا هبط الحجّاج أرضا مريضة ... تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هزّ القناة سقاها
سقاها فروّاها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث مال حشاها
إذا سمع الحجّاج رزّ [1] كتيبة ... أعدّ لها قبل النزول قراها
أعدّ لها مسمومة فارسيّة ... بأيدي رجال يحلبون صراها
فما وعد الأبكار والعون مثله ... بجر ولا أرض يجفّ ثراها
(1) الرز بالكسر: الصوت تسمعه من بعيد. ط