فقالت إحداهنّ: الزوج عزّ في الشدائد، وفي الخطوب مساعد، إن غضبت عطف، وإن مرضت لطف، قالت: نعم الشيء هذا! فقالت الثانية: الزوج شعاري حين أصرد، ومتّكئي حين أرقد، وأنسي حين أفرد، فقالت: إن هذا لمن كمال طيب العيش. فقالت الثالثة: الزّوج لما عناني كاف، ولما شفّني شاف، يكفيني فقد الألّاف، ريقه كالشّهد، وعناقه كالخلد، لا يملّ قرانه، ولا يخاف حرانه، فقالت: أمهلنني أنظر فيما قلتن، فاحتجبت عنهن سبعا، ثم دعتهنّ فقالت: قد نظرت فيما قلتن فوجدتني أملّكه رقّي، وأبثّه باطلي وحقّي، فإن كان
محمود الخلائق، مأمون البوائق، فقد أدركت بغيتي، وإن كان غير ذلك فقد طالت شقوتي، على أنه لا ينبغي إلّا أن يكون كفئا كريما يسود عشيرته، ويربّ فصيلته، لا أتقنّع به عارا في حياتي، ولا أرفع به شنارا لقومي بعد وفاتي، فعليكنّه فابغينه وتفرّقن في الأحياء، فأيّتكنّ أتتني بما أحب فلها أجزل الحباء، وعليّ لها الوفاء، فخرجن فيما وجّهتهنّ له، وكنّ بنات مقاول ذوات عقل ورأي، فجاءتها إحداهن وهي عمرّطة بنت زرعة بن ذي خنفر فقالت: قد أصبت البغية، فقالت: صفيه ولا تسمّيه. فقالت: غيث في المحل، ثمال في الأزل، مفيد مبيد، يصلح النائر، وينعش العاثر، ويغمر النّدي، ويقتاد الأبي، عرضه وافر، وحسبه باهر، غضّ الشباب، طاهر الأثواب. قالت: ومن هو؟
قالت: سبرة بن عوّال بن شدّاد بن الهمّال. ثم خلت بالثانية فقالت: أصبت من بغيتك شيئا؟ قالت: نعم، قالت: صفيه ولا تسمّيه. قالت: مصامص النّسب، كريم الحسب، كامل الأدب، غزير العطايا، مألوف السجايا، مقتبل الشباب، خصيب الجناب، أمره ماض، وعشيره راض. قالت: ومن هو؟ قالت: يعلى بن هزّال بن ذي جدن. ثم خلت بالثالثة فقالت: ما عندك؟ قالت: وجدته كثير الفوائد، عظيم المرافد، يعطي قبل السؤال، وينيل قبل أن يستنال، في العشيرة معظّم، وفي الندي مكرم، جم الفواضل، كثير النوافل، بذّال أموال، محقّق آمال، كريم أعمام وأخوال، قالت: ومن هو؟ قالت:
رواحة بن خمير بن مضحي بن ذي هلاهلة، فاختارت يعلى بن هزّال فتزوّجته، فاحتجبت عن نسائها شهرا ثم برزت لهن، فأجزلت لهن الحباء، وأعظمت لهن العطاء.
[222] قال أبو علي إسماعيل: المخلاف: الكورة. وأصرد: أبرد. ويربّ: يجمع ويصلح.
و [223]
أنشدنا أبو بكر لرجل [1] يصف إبلا [الرجز] :
تربّعت في حرض وحمض ... جاءت تهضّ الأرض أيّ هضّ
يدفع عنها بعضها عن بعض ... مثل العذارى شمن عين المغضي
[224] تربّعت: أقامت في الربيع. والحرض: الأشنان. والحمض: ما ملح من النبات. وتهضّ: تدقّ. وقوله: يدفع عنها بعضها عن بعض أي: هي مستوية حسان كلها ليست فيها واحدة تبينها فتسبق إليها العين، ولكن إذا قيل: هذه أحسن، قيل: لا، هذه فيدفع بعضها عن بعض العين أن تعينها. وشمن: فتحن عين المغضي فينظر إليهن وهن مثل العذارى في الحسن.
(1) هو ركاض الدبيري كما في «اللسان» (ج 9ص 116) . ط