فأفنيت عيشي بانتظاري نوالها ... وأبلت بذاك الدّهر وهو جديد
فليت وشاة الناس بيني وبينها ... تذوف [1] لهم سمّا طماطم سود
وحدثني أبو بكر بن الأنباري، قال: حدثني أبي، قال: أنشدنا أحمد بن عبيد لا مرأة من الأعراب: [الوافر]
لعمرك ما الرّزيّة فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير
ولكنّ الرزية فقد قرم ... يموت بموته بشر كثير
قال أبو علي: وأنشدنيهما بعض أصحابنا وقال في البيت الأول: «هلك مال» وقال في الثاني: «هلك ميت» و «خلق كثير» .
* * * [858] وأنشدني بعض أصحابنا لعلي بن العباس الرومي: [الخفيف]
خير ما استعصمت به الكفّ عضب ... ذكر حدّه أنيث المهزّ
ما تأمّلته بعينيك إلّا ... أرعشت صفحتاه من غير هزّ
مثله أفزع الشّجاع إلى الدّر ... ع فغالى بها على كل بزّ
ما أبالي أصمّمت شفرتاه ... في محزّ أم جارتا عن محزّ
[موعظة بليغة للمأمون الحارثي] :
وحدثنا أبو بكر رحمه الله قال: حدثنا أبو عثمان، عن التّوّزي، عن أبي عبيدة قال: قعد المأمون الحارثي في نادي قومه فنظر إلى السماء والنجوم ثم أفكر طويلا ثم قال: أرعوني أسماعكم، وأصغوا إليّ قلوبكم، يبلغ الوعظ منكم حيث أريد، طمح بالأهواء الأشر، وران على القلوب الكدر، وطخطخ الجهل النظر، إن فيما نرى لمعتبرا لمن اعتبر، أرض موضوعة، وسماء مرفوعة، وشمس تطلع وتغرب، ونجوم تسري فتعزب، وقمر تطلعه النّحور، وتمحقه أدبار الشهور، وعاجز مثر، وحوّل [2] مكد، وشابّ مختضر، ويفن [3] قد غبر، وراحلون لا يئوبون، وموقوفون لا يفرّطون، ومطر يرسل بقدر، فيحيي البشر، ويورق الشجر، ويطلع الثّمر، وينبت الزّهر، وماء يتفجّر من الصّخر الأير، فيصدع المدر عن أفنان الخضر، فيحي الأنام، ويشبع السّوام وينمي الأنعام، إنّ في ذلك لأوضح الدلائل على المدبّر المقدّر، البارئ المصوّر. يأيها العقول
(1) تذوف: تخلط وهي لغة في تدوف بالدال المهملة. والطماطم: جمع طمطم بكسر الطاء وهو من في لسانه عجمة، وأراد بالطماطم هنا: الموالي. ط
(2) الحول: الشديد الحيلة المتصرف. ط
(3) اليفن: الشيخ الكبير. ط