عندنا وكان شاعرا، وكان له بنت عم يحبها فذهب عقله عليها. أجز هذا البيت:
وما الحبّ إلا شعلة قدحت بها ... عيون المها باللّحظ بين الجوانح
فقال على المكان ولم يفكّر: [الطويل]
ونار الهوى تخفى وفي القلب فعلها ... كفعل الذي جادت به كفّ قادح
قال: وحدثنا عبد الله بن خلف الدلال، قال: حدثني محمد بن الفضل: قال: حدثني بعض أهل الأدب، عن محمد بن أبي نصر، قال: رأيت بالبصرة مجنونا قاعدا على ظهر الطريق بالمربد فكلّما مرّ به ركب قال: [الطويل]
ألا أيّها الرّكب اليمانون عرّجوا ... علينا فقد أمسى هوانا يمانيا
نسائلكم هل سال نعمان بعدكم ... وحبّ إلينا بطن نعمان واديا
فسألت عنه، فقيل: هذا رجل من البصرة، كانت له ابنة عم يحبها فتزوجها رجل من أهل الطائف فنقلها، فاستوله عليها.
قال: وأخبرني عبد الله بن خلف، قال: أخبرني أحمد بن زهير، قال: أخبرني مصعب بن عبد الله الزبيري، عن بعض أهله، عن أبي بكر الوالبي قال: أخبرت أن أبا المجنون قال له حين سار به إلى بيت الله الحرام. وكان أخرجه ليستشفي له. تعلّق بأستار الكعبة، وقل: اللهم أرحني من ليلى ومن حبّها، وتب إلى الله مما أنت عليه، فتعلّق بأستار الكعبة وقال: اللهم منّ عليّ بليلى وقربها، فزجره أبوه وجعل يعنّفه، فأنشأ يقول: [الطويل]
يقرّ بعيني قربها ويزيدني ... بها عجبا من كان عندي يعيبها
وكم قائل قد قال تب فعصيته ... وتلك لعمرى توبة لا أتوبها
قال أبو بكر: وزادنا غيره:
فيا نفس صبرا لست والله فاعلمي ... بأوّل نفس غاب عنها حبيبها
[شعر في الرزق وإجمال الطلب، وخبر الكتنجي مع المتوكل] :
حدثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله قال: حدثنا عبد الأول، قال: سمعت الكتنجي يقول: أملقت حتى لم يبق في منزلي إلا بارية، فدخلت إلى دار المتوكل فلم أزل مفكّرا فحضرني بيتان، فأخذت قصبة وكتبت على الحائط الذي كنت إلى جنبه: [الرجز]
الرزق مقسوم فأجمل في الطّلب ... يأتي بأسباب ومن غير سبب
فاسترزق الله ففي الله غنى ... الله خير لك من أب حدب
قال: فركب المتوكل في ذلك اليوم حمارا وجعل يطوف في الحجر، ومعه الفتح بن خاقان، فوقف على البيتين وقال: من كتب هذين البيتين؟ وقال للفتح: اقرأ هذين البيتين،
فاستحسنهما وقال: من كان في هذه الحجرة؟ فقيل: الكتنجي، فقال: أغفلناه وأسأنا إليه، وأمر لي ببدرتين.