عامر بن كريز من فتيان قريش جودا وحياء وكرما، فدخل أعرابي البصرة فسأل عن دار ابن عامر فأرشد إليها، فجاء حتى أناخ بفنائها فاشتغل عنه الحاجب والعبيد، فبات القفر، فلما أصبح ركب ناقته ووقف على الحاجب، وأنشأ يقول: [الطويل]
كأنّي ونضوي عند باب ابن عامر ... من الجوع ذئبا قفرة هلعان
وقفت وصنّبر الشتاء يلفّني ... وقد مسّ برد ساعدي وبناني
فما أوقدوا نارا ولا عرضوا قرى ... ولا اعتذروا من عثرة بلسان
فقال بعض شعراء البصريين: [السريع]
كم من فتى تحمد أخلاقه ... وتسكن العافون في ذمّته
قد كثّر الحاجب أعداءه ... وأحقد الناس على نعمته
فبلغ ذلك ابن عامر، فعاقب الحاجب وأمر ألّا يغلق بابه ليلا ولا نهارا.
وحدثنا أبو بكر رحمه الله قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة قال: كان المغيرة بن شعبة أعور دميما آدم، فهجاه رجل من أهل الكوفة فقال: [الطويل]
إذا راح في قبطيّة متأزّرا ... فقل جعل يستنّ في لبن محض
فأقسم لو خرّت من استك بيضة ... لما انكسرت من قرب بعضك من بعض
قال أبو بكر: فقلت لأبي حاتم: ما أظن أحدا يسبقه إلى قوله: «جعل يستن في لبن محض» فقال: بلى، كان إبراهيم بن عربي والي اليمامة، فصعد المنبر يوما وعليه ثياب بيض فبدا وجهه وكفاه، فقال الفرزدق: [الطويل]
ترى منبر العبد اللئيم كأنّما ... ثلاثة غربان عليه وقوع
قال: فهذا يشبه ذلك وإن لم يكنه. قال أبو حاتم: وخرج نصيب من عند هشام وعليه ثياب بيض، فنظر إليه الفرزدق فقال: [الرجز]
كأنه لما بدا للناس ... أير حمار لفّ في قرطاس
[872] وأنشدنا أبو بكر رحمه الله: [الطويل]
شنئتكم حتى كأنّكم الغدر ... وعفتكم حتى كأنكم الهجر
وما زلت أرشو الدهر صبرا على التي ... تسوء إلى أن سرّني فيكم الدهر
وأنشدنا أبو عبد الله نفطويه، قال: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي: [الوافر]
أما إذ قد بليت بسوء رأي ... فمالك عند ربك من خلاق
ستعلم أن حرّ الشّعر أمضى ... وأبلغ فيك من حرّ الحلاق
سمجت فكنت أقبح من شقاق ... تشاب به الدّناءة أو نفاق
وأظلم منك حرّ الوجه حتى ... كأنّ سواده ليل المحاق
ولولا وقفة للبين فيها ... متاع من وداع واعتناق
وآمال مسوّفة لقلنا ... كأنك قد خلقت من الفراق
[873] وأنشدنا عبد الله بن جعفر النحوي، قال: أنشدنا أبو العباس المبرد لعبد الصمد بن المعذّل يهجو ابن أخيه أحمد: [البسيط]