فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 971

متفقان غير أن أبا عبيدة قال: لبعض ملوك اليمن. وقال ابن الكلبي: لذي رعين. قال: مات أخ لذي رعين فعزّاه بعض أهل اليمن فقال: إن الخلق للخالق، والشّكر للمنعم، والتسليم للقادر، ولا بدّ مما هو كائن، وقد حلّ ما لا يدفع، ولا سبيل إلى رجوع ما قد فات، وقد أقام معك ما سيذهب عنك وستتركه، فما الجزع ممّا لا بدّ منه، وما الطّمع فيما لا يرجى، وما الحيلة فيما سينقل عنك أو تنقل عنه، وقد مضت لنا أصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد الأصل! فأفضل الأشياء عند المصائب الصبر، وإنما أهل الدنيا سفر لا يحلّون عن الرّكاب إلا في غيرها، فما أحسن الشّكر عند النّعم والتسليم عند الغير! فاعتبر بمن قد رأيت من أهل الجزع، هل ردّ أحدا منهم إلى ثقة من درك؟ واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف، فأفق والمرجع قريب، واعلم أنّما ابتلاك المنعم وأخذ منك المعطي، وما ترك أكثر، فإن نسيت الصبر فلا تغفل عن الشكر.

[عزاء بعض الأعراب لآخر في أخيه]:

وحدثنا أبو بكر، قال: حدثنا سعيد بن هارون الأشنانداني، عن التوزي، عن أبي عبيدة قال: عزّى رجل من العرب رجلا على أخيه فقال: محبوب فائت، وغنم عارض، إن ضيّعته فات أيضا وبقيت حسيرا، أمّا أخوك فلا أخوك، فلا يذهب بك جزعك فتحطّ سوددك، وتقلّ ثقة عشيرتك باضطلاعك بالأمور، وفي كثرة الأسى عزاء عن المصائب.

[التهنئة على الثواب أولى من التعزية على المصيبة] :

وحدثنا أبو بكر قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه قال: سمعت عمي يقول: التّهنئة على آجل الثواب أولى من التّعزية على عاجل المصيبة.

[عزاء الوفود لسلامة ذي فائش في ابنه] :

وحدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: حدثنا عمي، عن أبيه، عن ابن الكلبي، عن أبيه قال: نشأ لسلامة ذي فائش ابن كأكمل أبناء المقاول، وكان به مسرورا يرشّحه لموضعه، فركب ذات يوم فرسا صعبا فكبا به فوقصه، فجزع عليه أبوه جزعا شديدا وامتنع من الطعام واحتجب عن الناس، واجتمعت وفود العرب ببابه ليعزّوه، فلامه نصحاؤه في إفراط جزعه، فخرج إلى الناس فقام خطباؤهم يؤسّونه، وكان في القوم الملبّب بن عوف بن سلمة بن عمرو بن سلمة الجعفي، وجعادة بن أفلح بن الحارث. وهو جدّ الجراح بن عبد الله الحكمي صاحب خراسان. فقام الملبّب فقال: أيها الملك، إنّ الدنيا تجود لتسلب، وتعطي لتأخذ، وتجمع لتشتّت، وتحلي لتمر، وتزرع الأحزان في القلوب، بما تفجأ به من استرداد الموهوب، وكلّ مصيبة تخطّأتك جلل، مالم تدن الأجل، وتقطع الأمل، وإن حادثا ألمّ بك، فاستبدّ بأقلّك وصفح عن أكثرك لمن أجلّ النّعم عليك! وقد تناهت إليك أنباء من رزئ فصبر، وأصيب فاغتفر، إذ كان شوى فيما يرتقب ويحذر، فاستشعر اليأس مما فات إذ كان ارتجاعه ممتنعا، ومرامه مستصعبا، فلشيء ما ضربت الأسى، وفزع أول الألباب إلى حسن العزاء.

وقام جعادة فقال: أيها الملك، لا تشعر قلبك الجزع على ما فات، فيغفل ذهنك عن الاستعداد لما يأتي، وناضل عوارض الحزن بالأنفة عن مضاهاة أفعال أهل وهي العقول، فإن العزاء لحزماء الرجال، والجزع لربّات الحجال، ولو كان الجزع يردّ فائتا، أو يحيي تالفا، لكان فعلا دنيئا، فكيف به وهو مجانب لأخلاق ذوي الألباب! فارغب بنفسك أيها الملك عمّا يتهافت فيه الأرذلون، وصن قدرك عما يركبه المخسوسون، وكن على ثقة أنّ طمعك فيما استبدت به الأيام، ضلة كأحلام النيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت