وإن قلت فاعلم ما تقول فإنه ... إلى سامع ممن يغادي وآثر
فإنك لا تسطيع ردّ مقالة ... شأتك وزلّت عن فكاهة فاغر
كما ليس رام بعد إرسال سهمه ... على ردّه قبل الوقوع بقادر
إذا أنت عاديت الرجال فلا نزلّ ... على حذر لا خير في غير حاذر
ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرّس بأنياب ويوطأ بحافر
ترى المرء مخلوقا وللعين حظّها ... وليس بأحناء [1] الأمور بخابر
فذاك كماء البحر لست مسيغه ... ويعجب منه ساجيا [2] كلّ ناظر
وتلقى الأصيل الفاضل الرأي جسمه ... إذا ما مشى في القوم ليس بقاهر
كذلك جفن رثّ عن طول مكثه ... على حدّ مفتوق الغرارين باتر
وعاش بعينيه لما لا يناله ... كساع برجليه لإدراك طائر
ومستنزل حربا على غير ثروة ... كمقتحم في البحر ليس بماهر
وملتمس ودّا لمن لا يودّه ... كمعتذر يوما إلى غير عاذر
ومتّخذ عذرا فعاد ملامة ... كوالي اليتامى مالهم غير وافر
فسارع إذا سافرت في الحمد واعلمن ... بأنّ ثناء الركب حظّ المسافر
وطاوعهم فيما أرادا وقل لهم ... فدى للذي رمتم كلال الأباعر
فإن كنت ذا حظّ من المال فالتمس ... به الأجر وارفع ذكر أهل المقابر
فإني رأيت المال يفنى وذكره ... كظلّ يقيك الظّلّ حرّ الهواجر
[812] [الجود] وأنشدنا أبو بكر بن الأنباري: [البسيط]
سمّيت معنا بمعن ثم قلت له ... هذا سميّ فتى في الناس محمود
أنت الجواد ومنك الجود أوّله ... فإن فقدت فما جود بموجود
من نور وجهك تضحي الأرض مشرقة ... ومن بنانك يجرى الماء في العود
أضحت يمينك من جود مصوّرة ... لا بل يمينك منها صورة الجود
وحدثنا أبو بكر رحمه الله قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه قال: ولّى جعفر بن سليمان أعرابيّا بعض مياههم، فخطبهم يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الدنيا دار بلاغ، والآخرة دار قرار، فخذوا لمقرّكم من ممرّكم، ولا تهتكوا أستاركم، عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم، قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها
(1) أحفاء الأمور: ثناياها وخفاياها. ط
(2) ساجيا: ساكنا. ط