فقلت له: يا هذا، إنك لفي شغل عن هذا، فقال: صدقت، ولكن أنطقني البرق، ثم اضطجع فما كان ساعة حتى مات، فما يتوهّم عليه غير الحب. وكان أبو بكر بن دريد رحمه الله كثيرا ما ينشد آخر بيت من هذه الأبيات، ثم أنشدني يوما: [الطويل]
ثقي بجميل الصبر منّي على الدهر ... ولا تثقي بالصّبر مني على الهجر
وإني لصبّار على ما ينوبني ... وحسبك أن الله أثنى على الصبر
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر
وأنشدنا أبو بكر بن الأنباري، قال: أنشدنا أبو العباس للمجنون: [الطويل]
أصلّي فما أدري إذا ما ذكرتها ... أثنتين صلّيت الضّحى أم ثمانيا
أراني إذا صلّيت يمّمت نحوها ... بوجهي وإن كان المصلّى يمانيا
وما بي إشراك ولكنّ حبّها ... كعود الشّجا أعيا الطبيب المداويا
[صفات الزوج الصالح، واختبار الناس قبل الحكم، الجرح والتعديل] :
وحدثنا أبو بكر رحمه الله قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه قال: وصفت أعرابيّة زوجها بمكارم الأخلاق عند أمها، فقالت: يا أمّه، من نشر ثوب الثناء فقد أدّى واجب الجزاء، وفي كتمان الشّكر جحود لما وجب من الحق، ودخول في كفر النّعم، فقالت لها أمها: أي بنيّة! أطبت الثناء، وقمت بالجزاء، ولم تدعي للذم موضعا، إني وجدت من عقل لم يعجل بذمّ ولا ثناء إلا بعد اختبار، فقالت: يا أمّه، ما مدحت حتى اختبرت، ولا وصفت حتى عرفت.
[من طرق شكر الناس الثناء عليهم والإخلاص لهم] :
وحدثنا أيضا.، عن العكلي، عن ابن أبي خالد، عن الهيثم قال: كتب مالك بن أسماء بن خارجة إلى الهيثم بن الأسود النخعي، يشكر له قيامه بأمر رجل من آل حذيفة بن بدر عند الحجاج حتى خلّصه منه: أما بعد، فإنه لما كلّت الألسن عن بلوغ ما استحققت من الشكر، كان أعظم الحيل عندي في مكافأتي إخلاصك صدق الضمير، وكما لم نعرف الزيادة في العلا إذ جريت غاية طولك جهلنا غاية الثناء عليك، فليس لك من الناس إلا ما ألهموا من محبتك، فأنت كما وصف الواصف إذ يقول:
فما تعرف الأوهام غاية مدحه ... يقينا كما ليست بغايته تدري
[مواضع الإيجاز والإكثار] :
وحدثنا أبو بكر بن الأنباري، قال: حدثني أبي، عن بعض أصحابه، قال:
وقّع جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك في كتاب صديق له: ما جاوزتني نعمة خصصت بها، ولا قصرت دوني ما كان بك محلّها. قال: ووقّع إلى عمرو بن
مسعدة (1) : إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيّا.