وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
ولجندب سهل البلاد وعذبها ... ولي الملاح وجنبهنّ المجدب
عجبا لتلك قضيّة وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أعجب
تلك الظّلامة قد عرفت مكانها ... لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب
قال أبو محلم قال الحجاج لأعرابي كلّمه فوجده فصيحا: كيف تركت الناس وراءك؟
فقال: تركتهم أصلح الله الأمير حين تفرّقوا في الغيطان، وأخمدوا النيران، وتشكّت النساء، وعرض الشّاء، ومات الكلب. فقال الحجاج لجلسائه: أخصبا نعت أم جدبا؟ قالوا: بل جدبا. قال: بل خصبا. قوله: تفرقوا في الغيطان معناه أنها أعشبت فإبلهم وغنمهم ترعى.
وأخمدوا النيران معناه استغنوا باللبن عن أن يشتووا لحوم إبلهم وغنمهم ويأكلوها. وتشكّت النساء أعضادهنّ من كثرة ما يمخضن الألبان. وعرض الشاء: استنّ من كثرة العشب والمرعى. قال أبو علي: الصواب عرض الشاء وليس عرض بشيء. ومات الكلب: لم تمت أغنامهم وإبلهم فيأكل جيفها. ومن أمثال العرب: «نعم كلب في بؤس أهله» لأنه إنما ينعم في القحط ويموت في الخصب.
* * * [172] قال أبو علي: حدثنا أبو الحسن أحمد بن جعفر جحظة البرمكي، قال: حدثنا حرمي، قال: قال لي أبو الحسن موسى بن هارون: حدثني يعقوب بن بشر قال: كنت مع إسحاق بن إبراهيم الموصلي في نزهة لنا، فمر بنا أعرابيّ فوجّه إسحاق خلفه بغلامه زياد الذي يقول فيه إسحاق: [الطويل]
وقولا لساقينا زياد أرقّها ... فقد هرّ بعض القوم سقي زياد
ومعنى هرّ كره، قال الشاعر: [الوافر]
أحين بلغت من كبري أشدّي ... وهرّ لقائي الأسد الهصور
قال: فوافانا الأعرابي، فلما شرب وسمع حنين الدواليب قال: [الكامل]
باتت تحنّ وما بها وجدي ... وأحنّ من وجد إلى نجد
فدموعها تحيا الرياض بها ... ودموع عيني أحرقت خدّي
وبساكني نجد كلفت وما ... يغني لهم كلفي ولا وجدي
لو قيس وجد العاشقين إلى ... وجدي لزاد عليه ما عندي
قال: فما مضى إسحاق إلى منزله إلا محمولا سكرا.
[من فضائل المأمون، وتعزية الخلفاء لرعيتهم، ومن كان جديرا بالبكاء عليه] :
قال: وحدثني أبو الحسن، قال: حدثني ميمون بن هارون قال: لما قتل الفضل بن
سهل دخل المأمون على أمه فوجدها تبكي، فقال لها: أنا ابنك مكانه فدعي البكاء، فقالت: