قوم يوارون عمّا في صدورهم ... حتّى إذا استمكنوا كانوا هم الداءا
مشمّرين إلى أنصاف سوقهم ... هم اللّصوص وهم يدعون قرّاءا
فقال إسحاق بن سويد: [البسيط]
أما النبيذ فقد يزري بشاربه ... ولن ترى شاربا أزرى به الماء
الماء فيه حياة الناس كلّهم ... وفي النّبيذ إذا عاقرته الداء
يقال هذا نبيذيّ يعاقره ... فيه عن البرّ والخيرات إبطاء
وفيه إن قيل مهلا عن مصمّمه ... وفيه عند ركوب الإثم إغضاء
وحدثنا أبو بكر بن دريد قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه قال: وشى واش بعبد الله بن همّام السّلولي إلى زياد، فقال له: إنه هجاك، فقال: أأجمع بينك وبينه؟ قال: نعم، فبعث زياد إلى ابن همام فأتي به، وأدخل الرجل بيتا، فقال زياد: يابن همام، بلغني أنك هجوتني، فقال: كلّا، أصلحك الله! ما فعلت ولا أنت لذلك بأهل، فقال: إن هذا الرجل أخبرني وأخرج الرجل، فأطرق ابن همام هنيهة ثم أقبل على الرجل فقال: [الطويل]
أنت امرؤ إمّا ائتمنتك خاليا ... فخنت وإمّا قلت قولا بلا علم
فأبت [1] من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم
فأعجب زياد بجوابه، وأقصى الواشي ولم يقبل منه.
[خبر الأعرابي الذي سأل خالد بن عبد الله القسري] :
وحدثنا أبو بكر قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه قال: دخل أعرابي على خالد بن عبد الله القسري فقال: أصلح الله الأمير، شيخ كبير حدته إليك بارية العظام، ومؤرّثة الأسقام، ومطوّلة الأعوام، فذهبت أمواله، وذعذعت آباله، وتغيرت أحواله، فإن رأى الأمير أن يجبره بفضله، وينعشه بسجله، ويردّه إلى أهله! فقال: كلّ ذلك، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
قال أبو علي: بارية العظام: التي تبري العظام. وذعذعت: فرّقت. والسّجل: الدلو الذي فيه ماء، وهو هاهنا مثل.
[خبر العجاج مع عبد الملك بن مروان، وترك العجاج للهجاء] :
وحدثنا أبو بكر قال: حدثنا أبو حاتم، عن أبي زيد، عن المفضل قال: دخل العجاج على عبد الملك بن مروان، فقال: يا عجاج، بلغني أنك لا تقدر على الهجاء، فقال: يا أمير المؤمنين، من قدر على تشييد الأبنية أمكنه إخراب الأخبية، قال: فما يمنعك من ذلك؟ قال:
إنّ لنا عزّا يمنعنا من أن نظلم، وإن لنا حلما يمنعنا من أن نظلم، فعلام الهجاء؟ فقال:
(1) كذا في نسخة بالباء الموحدة من الأوب وهو الرجوع وفي نسخة فأنت بالنون، والمعنى على كل صحيح. ط