ولا يجزون من حسن بسيئ ... ولا يجزون من غلظ بلين
ولا تبلى بسالتهم وإن هم ... صلوا بالحرب حينا بعد حين
هم منعوا حمى الوقبى [1] بضرب ... يؤلّف بين أشتات المنون
فنكّب عنهم درء [2] الأعادي ... ودووا بالجنون من الجنون
ولا يرعون أكناف الهويني ... إذا حلّوا ولا روض الهدون [3]
وحدثني أبو بكر رحمه الله قال أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه قال: رأيت رجلا بالجفر من بني العنبر به لوثة [4] بل هوج ظاهر أحفظ خلق الله للشّعر، وكان إذا قال له قائل:
أنشدنا، تنمّر له وشتمه، وإذا أنشد وحدّث اندفق منه ثبج بحر مع فصاحة وحسن إنشاد، فأنشدني يوما من غير أن أستنشده:
فدت نفسي وما ملكت يميني
الأبيات كلّها.
[من رثى قتيلا قتله قومه] :
وحدثنا أبو بكر، عن أبي حاتم قال: لم يرث أحد قتيلا قتله قومه إلا قيس بن زهير فإنه رثى حذيفة بن بدر وبنو عبس تولّت قتله: [الوافر]
ألم تر أنّ خير الناس أضحى ... على جفر الهباءة [5] ما يريم
ولولا بغيه ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما بدت النجوم
ولكنّ الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم
أظنّ الحلم دلّ عليّ قومي ... وقد يستجهل الرّجل الحليم
[كرم الضيف، وشعر نويرة في رثاء ابنه] :
وحدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو حاتم، عن الأصمعي قال: نزلت على امرأة من بني عامر بن صعصعة وقد مات ابن لها، وهي من القلق على مثل الرّضفة [6] ، فقامت تعالج لي طعاما، فقلت لها: يا هذه، إنك لفي شغل عن هذا، فقالت: والله لا تجوز بيتي إلا مقريّا،
(1) الوقبى: ماء لبني مالك بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم لهم به حصن وكانت لهم به وقائع مشهورة، والوقبى على طريق المدينة من البصرة. ط
(2) الدرء: الدفع. ط
(3) الهدون: الدعة والسكون. ط
(4) اللوثة: الحمق. ط
(5) الهباءة: أرض ببلاد غطفان قتل بها حذيفة وحمل ابنا بدر الفزاريان، وجفر الهباءة: مستنقع في هذه الأرض. ط
(6) الرضفة: واحدة الرضف وهي الحجارة المحماة. ط