فقال ميثم: أيها الملك، إن من نفس على ابن أبيه الزّعامة، وجدبه في المقامة.
واستكثر له قليل الكرامة. كان قرفا بالملامة، ومؤنّبا على ترك الاستقامة، وإنا والله ما نعتدّ لهم بيد إلا وقد نالهم منا كفاؤها، ولا نذكر لهم حسنة إلا وقد تطلّع منا إليهم جزاؤها، ولا يتفيّأ لهم علينا ظلّ نعمة إلا وقد قوبلوا بشرواها، ونحن بنو فحل مقرم لم تقعد بنا الأمهات ولا بهم، ولم تنزعنا أعراق السّوء ولا إياهم، فعلام مطّ الخدود وخزر العيون. والجخيف والتّصعّر، والبأو والتكبر؟ ألكثرة عدد، أم لفضل جلد، أم لطول معتقد؟ وإنّا وإياهم لكما قال الأوّل: [البسيط]
لاه [1] ابن عمّك لا أفضلت في حسب ... عنّى ولا أنت ديّاني فتخزوني
ومقاطع الأمور ثلاثة: حرب مبيرة، أو سلم قريرة. أو مداجاة وغفيرة، فقال الملك: لا تنشطوا عقل الشّوارد، ولا تلقحوا العون القواعد، ولا تؤرّثوا نيران الأحقاد ففيها المتلفة المستأصلة، والجائحة والأليلة، وعفّوا بالحلم أبلاد الكلم. وأنيبوا إلى السبيل الأرشد والمنهج الأقصد، فإن الحرب تقبل بزبرج الغرور، وتدبر بالويل والثّبور، ثم قال الملك: [الطويل]
ألا هل أتى الأقوام بذلي نصيحة ... حبوت بها منّي سبيعا وميثما
وقلت اعلما أن التّدابر غادرت ... عواقبه للذّل والقلّ جرهما
فلا تقدحا زند العقوق وأبقيا ... على العزّة القعساء أن تتهدما
ولا تجنيا حربا تجرّ عليكما ... عواقبها يوما من الشّرّ أشأما
فإن جناة الحرب للحين عرضة ... تفوّقهم منها الذّعاف المقشّما
حذار فلا تستنبثوها فإنها ... تغادر ذا الأنف الأشمّ مكشّما
فقالا: لا أيها الملك، بل نقبل نصحك، ونطيع أمرك، ونطفئ النائرة، ونحلّ الضّغائن، ونثوب إلى السّلم.
قال أبو علي: قوله: تشاحنا، من الشّحناء وهي العداوة. والجذم: الأصل، قال أوس بن حجر:
غنيّ تآوى [2] بأولادها ... لتهلك جذم تميم بن مرّ
وكذلك الجذر، وجذور الحساب منه، وقال أبو عمر الشيباني: الجذر بكسر الجيم.
وقال أبو بكر: التّخبّط: ركوب الرجل رأسه في الشر خاصّة، قال أبو علي: ولم أسمع هذه الكلمة من غيره، فأما التّخمّط بالميم: فالتّكبّر، وأنشد يعقوب: [الكامل]
(1) لاه: أراد: لله ابن عمك فحذف لام الجر واللام التي بعدها.
انظر: «اللسان» مادة: «لوه» والبيت لذي الأصبع العدواني. ط
(2) تأوي: تتجمع. ط