قال التميمي: وحدثني ركّاض بن فروة المرّي القتالي قال: كان في بني مرة فضل وفضيل أخوان لأب وأم، ولا أعلم أني رأيت تبارّهما لأحد قطّ، ولا رأيت أكمل منهما في رجال الناس قط، ولا أجمل جمالا ولا أفرس فروسيّة ولا أسخى ولا أشجع، فرمي في جنازة [1] أحدهما فمات، فخرجنا بجنازته وأخوه معنا يهادي حتى وقفنا على قبره فدلّيناه فيه وهو ينظر إليه قد احنونى وانعقف حتى صار كأنه سية، فلما رضمنا عليه لبنه قال هذا البيت: [الطويل]
سأبكيك لا مستبقيا فيض عبرة ... ولا مبتغ بالصّبر عاقبة الصّبر
ثم انكبّ لوجهه، فحملناه إلى منزل أبيه فمات في الثاني أو الثالث.
* * * [124] وأنشدنا أبو البلاد لحاتم الطائي: [الطويل]
ذريني ومالي إن مالك وافر ... وإنّ فعالي تحمدي غبّه غدا
ألم تعلمي أني إذا الضيف أمّني ... وعزّ القري أقري السّديف [2] المسرهدا
سأحبس من مالي دلاصا [3] وسابحا ... وأسمر خطّيّا وعضبا مهنّدا
[فصاحة أم الهيثم] :
قال التميمي: أخبرني عمر بن خالد العثماني قال: قدمت علينا عجوز من بني منقر تسمّى أم الهيثم، فغابت عنا، فسأل عنها أبو عبيدة فقالوا: إنها عليلة، فقال: هل لكم أن نعودها؟ فجئنا فاستأذنّا، فقالت لجوا، فسلّمنا عليها، فإذا عليها أهدام وبجد [4] وقد طرحتها عليها، فقلنا: يا أم الهيثم كيف تجدينك؟ قالت: كنت وحمى للدّكة، فشهدت مأدبة، فأكلت جبجبة، من صفيف هلّعة، فاعترتنى زلّخة. فقلنا: يا أم الهيثم، أيّ: شيء تقولين؟ فقالت:
أو للناس كلامان! والله ما كلمتكم إلا بالعربي الفصيح.
* * * [126] قال التميمي: حدثني القحذمي قال: قيل لأعرابي: إن فلانا شتمك، قال:
المطليّ باللّؤم وجها، الزّلق عن المجد رجلا، قد ينبح الكلب القمر.
[127] قال: وحدثني أبو هفان، عن إسحاق قال: سمعت يحيى بن جعفر البرمكي يقول لرجل اعتذر إليه: يا هذا، أحتجّ عليك بغالب القضاء، وأعتذر إليك بصادق النية.
(1) في «اللسان» : تقول العرب إذا أخبرت عن موت إنسان: «رمى في جنازته» . ط
(2) السديف: شحم السنام. والمسرهد: السمين. ط
(3) الدلاص: الدرع الملساء اللينة. ط
(4) البجد: جمع بجاد وهو كساء مخطط. ط