فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 971

[عبد الملك بن مروان وجرير، وفضل الجهاد، والغيرة على النساء، وإنزال الملائكة للنصر، وهياج الهوى، وصبوة الشاب والشيخ]:

وحدثنا أبو بكر بن دريد، قال: أخبرنا أبو عثمان، قال: أخبرنا عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطيّة بن الخطفي قال: كان جرير عند الحجاج بالعراق، وكان آمنه بعد ما أخافه أشد الخوف، فقدم الحجاج البصرة، وجرير والفرزدق يتسابّان سبع سنين قبل قدومه، وجرير مقيم بالبصرة، وكان قبل ذلك مقيما بالبادية، فكتب إليه بنو يربوع: أنت مقيم بالبادية وليس أحد يروى عنك، والفرزدق قد ملأ عليك العراق فانحدر إلى جماعة الناس فأشد بالرّجل كما يشيد بك، فانحدر وأقام بالبصرة، فلذلك يقول: [الكامل]

وإذا شهدت لثغر قومي مشهدا ... آثرت ذاك على بنيّ ومالي

فأوجهه الحجاج وملأ بمدحه الأرض، وبلغ أهل الشام وأمير المؤمنين ورواه الناس.

ثم إن الحجاج أوفده مع ابنه محمد عاشر عشرة من أهل العراق بعد ما أجازه بعشرة من الرقيق وأموال كثيرة، قال: فقدمنا على عبد الملك، فخطب بين يديه، ثم أجلسه على سريره عند رجليه، ثم دعا بالوفد منا رجلا رجلا وكلّنا له خطبة، فجعل كلّما خطب رجل قطع خطبته، وتكلم جرير فقطع خطبته، ثم قال: من هذا يا محمد؟ فقال: هذا يا أمير المؤمنين ابن الخطفى، قال: مادح الحجاج؟ قلت: ومادحك يا أمير المؤمنين فأذن لي أنشدك، فقال:

هات ما قلت في الحجاج، فاندفعت في قولي: [الوافر]

صبرت النفس يا بن أبي عقيل ... محافظة فكيف ترى الثوابا

ولو لم يرض ربّك لم ينزّل ... مع النصر الملائكة الغضابا

إذا سعر الخليفة نار حرب ... رأى الحجاج أثقبها شهابا

فقال: صدقت، وورائي الأخطل جالسا ولا أراه، ثم قال: هات بالحجاج، فأنشدته:

[الطويل]

طربت لعهد هيّجته المنازل ... وكيف تصابي المرء والشّيب شامل

فما فرغت منها حتى خيّلت في وجه أمير المؤمنين الغضب، وقال: هات بالحجاج، فأنشدته: [الكامل]

هاج الهوى لفؤادك المهتاج ... فانظر بتوضح باكر الأحداج

حتى أتيت على قولي:

من سدّ مطّلع النّفاق عليهم ... أم من يصول كصولة الحجاج

أم من يغار على النساء حفيظة ... إذ لا يثقن بغيرة الأزواج

فتكلم الأخطل وقال: أين أمير المؤمنين يابن المراغة! فعلمت أنه الأخطل، فذببت حيال وجهي بكمّي وقلت: اخسأ، ومضيت حتى أنشدته كلّها، فقال الخليفة: اجلس،

فجلست، ثم قال: قم يا أخطل، هات مديح أمير المؤمنين، فقام حيالي فأنشد أشعر الناس وأمدح الناس، فقال له الخليفة: أنت شاعرنا ومادحنا، اركبه، فرمى بردائه وألقى قميصه على منكبه ووضع يده على عنقي، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن النصراني الكافر لا يعلو ولا يظهر على المسلم ولا يركبه، فقال أهل المجلس: صدق يا أمير المؤمنين، فقال: دعه، وانتقض المجلس وخرجنا، فدخل الوفد عليه ثمانية أيام مع محمد كلّهن أحجب فلا أدخل عليه، ثم دخلوا في التاسع وأخذوا جوائزهم وتهيّأوا في العاشر للدخول والتوديع للرحيل، فقال محمد: يا أبا حزرة، ما لي لا أراك تتجهز؟ قلت: وكيف وأمير المؤمنين عليّ ساخط! ما أنا ببارح أو يرضى عنّى، فلما دخل عليه محمد ليودّعه، قال: يا أمير المؤمنين، إن ابن الخطفي مادحك وشاعرك ومادح الحجّاج سيفك وأمينك، وقد لزمتنا له صحبة وذمام، فإن رأيت أن تأذن له! فإنه أبى أن يخرج معنا وأنت غضبان، وآلى أنه لا يخرج أو ترضى عنه، فيدخل ويودّعك، فأذن لي، فدخلت عليه ودعوت له، فقال: إنما أنت للحجاج، قلت: ولك يا أمير المؤمنين، ثم استأذنته في الإنشاد، فسكت ولم يأذن لي، فاندفعت فقلت: [الوافر]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت