وحدثنا أبو بكر بن الأنباري رحمه الله قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أحمد بن عبيد، عن سهل بن محمد قال: اجتمع الشعراء بباب الحجّاج وفيهم الحكم بن عبدل الأسدي فقالوا: أصلح الله الأمير، إنما شعر هذا في الفأر وما أشبهه، قال: ما يقول هؤلاء يا بن عبدل؟ قال: اسمع أيها الأمير، قال: هات، فأنشده: [الطويل]
وإنّي [1] لأستغني فما أبطر الغنى ... وأعرض ميسوري لمن يبتغي عرضي
وأعسر أحيانا فتشتدّ عسرتي ... فأدرك ميسور الغنى ومعى عرضي
وما نالني حتّى تجلّت فأسفرت ... أخو ثقة فيها بقرض ولا فرض
ولكنّه سيب الإله وحرفتي ... وشدّي حيازيم المطيّة بالغرض
لأكرم نفسي أن أرى متخشّعا ... لذ منّة يعطي القليل على النّحض
قد أمضيت هذا في وصيّة عبدل ... ومثل الذي أوصى به والدي أمضي
أكلفّ الأذى عن أسرتي وأذوده ... على أنّني أجزي المقارض بالقرض
وأبذل معروفي وتصفو خليقتي ... إذا كدّرت أخلاق كلّ فتى محض
وأقضي على نفسي إذا الحقّ نابني ... وفي الناس من يقضى عليه ولا يقضي
وأمضي همومي بالزّماع لوجهها ... إذا ما الهموم لم يكد بعضها يمضي
وأستنقذ المولى من الأمر بعد ما ... يزلّ كما زلّ البعير عن الدّحض
وأمنحه مالي وودّي ونصرتي ... وإن كان محنيّ الضّلوع على بغضي
ويغمره سيبي ولو شئت ناله ... فوارع تبري العظم من كلم مضّ
ولست بذي وجهين فيمن عرفته ... ولا البخل فاعلم من سمائي ولا أرضي
قال: فلما سمع الحجاج هذا البيت:
ولست بذي وجهين فيمن عرفته
فضّله على الشعراء بجائزة ألف درهم في كل مرة يعطيهم.
قال أبو علي: الغرض والغرضة والسّفيف والبطان والوضين: حزام الرّحل. والنّحض:
اللحم، ونحضت اللحم عن العظم نحضا إذا عرقته. والدّحض: الزّلق. والمضّ: مصدر مضّه يمضّه مضّا فأقام المصدر مقام الفاعل، كما قالوا: رجل عدل أي: عادل.
[تفسير قوله تعالى: {كََانَ عَلى ََ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} ، ومادة: حسب] :
قال أبو علي: وحدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: في قوله عز وجل: {كََانَ}
(1) في «ديوان الحماسة شرح التبريزي» (ص 517) طبع مدينة بن أن القصيدة لبعض بني أسد. ط