أن يأمنوا عندهم في أرضهم بغير حلف إنما هو أمان الطريق. وعلى أن قريشا تحمل إليهم بضائع فيكفونهم حملانها ويؤدّون إليهم رءوس أموالهم وربحهم، فأصلح هاشم ذلك الإيلاف بينهم وبين أهل الشام حتى قدم مكة فأتاهم بأعظم شيء أتوا به بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة وخرج هاشم معهم يجوّزهم يوفّيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب حتى أوردهم الشام وأحلّهم قراها، ومات في ذلك السفر بغزّة، وخرج المطّلب بن عبد مناف إلى اليمن فأخذ من ملوكهم عهدا لمن تجر إليهم من قريش، وأخذ الإيلاف كفعل هاشم، وكان المطّلب أكبر ولد عبد مناف، وكان يسمّى الفيض وهلك بردمان من اليمن. وخرج عبد شمس ابن عبد مناف إلى الحبشة، فأخذ إيلافا كفعل هاشم والمطلب، وهلك عبد شمس بمكة فقبره بالحجون. وخرج نوفل بن عبد مناف وكان أصغر ولد أبيه فأخذ عهدا من كسرى لتجار قريش وإيلافا ممن مرّ به من العرب، ثم قدم مكّة ورجع إلى العراق فمات
بسلمان. واتسعت قريش في التجارة في الجاهلية وثرت أموالها، فبنو عبد مناف أعظم قريش على قريش منّة في الجاهلية والإسلام.
قال أبو علي: حدثنا أبو بكر بن دريد، عن أبي حاتم قال: لما قتل عبد الله بن علي بني أميّة بنهر أبي فطرس بعث إليّ، قال: فدخلت عليه فإذا قتلى مصروعين والخراسانية بين يديه بأيديهم الكافر كوبات، فقال لي: ما تقول في مخرجنا هذا؟ قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» [1] قال: فما تقول في هؤلاء القتلى؟
قلت: ومن هؤلاء؟ قال: بنو أمية. قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس» [2] وتشاغل عنّي فخرجت وطلبني، فحال الله بيني وبينه إنه على كل شيء قدير.
[ما وقع لأم عقبة بعد وفاة زوجها غسان] :
وحدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو حاتم، عن العتبي، قال: حدثني أبي قال:
اجتمعت عند خالد بن عبد الله القسري فقهاء الكوفة وفيهم أبو حمزة الثّمالي، فقال خالد:
حدثونا بحديث عشق ليس فيه فحش، فقال أبو حمزة: أصلح الله الأمير، بلغني أنه ذكر عند هشام بن عبد الملك غدر النساء وسرعة تزويجهن بعد انقضاء عدتهن، فقال هشام: إنه ليبلغني من ذلك العجب. فقال بعض جلسائه: أنا أحدثك يا أمير المؤمنين عما بلغني عن امرأة من بني يشكر كانت عند ابن عم لها فمات عنها بعد مسألته إياها عما تريد أن تصنع بعده، فأخذ العهود عليها في ذلك، وكان اسمه غسّان بن جهضم بن العذافر، وكان اسم ابنة عمه أم عقبة بنت عمرو بن الأبجر، وكان لها محبّا، وكانت له كذلك، فلما حضره الموت وظن أنه مفارق الدنيا قال ثلاثة أبيات، ثم قال: اسمعي يا أمّ عقبة ثم أجيبي، فقد تاقت نفسي إلى مسألتك عن نفسك، فقالت: والله لا أجيبك بكذب ولا أجعله آخر حظّي منك، فقال: [الخفيف]
أخبري بالذي تريدين بعدي ... والذي تضمرين يا أمّ عقبه
تحفظيني من بعد موتي لما قد ... كان منّي من حسن خلق وصحبه
أم تريدين ذا جمال ومال ... وأنا في التراب في سحق غربه
فأجابته تقول: [الخفيف]
قد سمعت الذي تقول وما قد ... بان عمّي تخاف من أمّ عقبه
(1) أخرجه البخاري (1) ومسلم (1907) .
(2) أخرجه البخاري (6878) ، ومسلم (1676) .