وحدثنا أبو بكر بن الأنباري رحمه الله قال: حدثنا محمد بن علي المديني قال: حدثنا أبو الفضل الرّبعى قال: حدثنا أبو السمراء قال: دخلت منزل نخّاس في شراء جارية فسمعت في بيت بإزاء البيت الذي كنت فيه صوت جارية وهي تقول: [الطويل]
وكنا كزوج من قطا في مفازة ... لدى خفض عيش معجب مونق رغد
أصابهما ريب الزمان فأفردا ... ولم نر شيئا قطّ أوحش من فرد
فقلت للنّخّاس: اعرض عليّ هذه الجارية المنشدة، فقال: إنها شعثة مرهاء [1] حزينة، فقلت: ولم ذلك؟ قال: اشتريتها من ميراث فهي باكية على مولاها، ثم لم ألبث أن أنشدت:
[الطويل]
وكنّا كغصني بانة وسط روضة ... نشمّ جنى الرّوضات في عيشة رغد
فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطع ... فيا فردة باتت تحنّ إلى فرد
قال أبو السمراء: فكتب إلى عبد الله بن طاهر أخبره بخبرها، فكتب إليّ: أن ألق عليها هذا البيت فإن أجابت فاشترها ولو بخراج خراسان والبيت: [مخلع البسيط]
بعيد وصل قريب صدّ ... جعلته منه لي ملاذا
قال: فألقيته عليها فقالت في سرعة:
وعاتبوه فذاب عشقا ... ومات وجدا فكان ماذا
قال أبو السمراء: فاشتريتها بألف دينار وحملتها إليه فماتت في الطريق قبل أن تصل إليه، فكانت إحدى الحسرات إليه.
[من صفات الفم، وخبر العرب مع الفضة] :
قال أبو على: وقرأنا على أبي بكر لابن ميّادة وهو الرّمّاح بن الأبرد: [الرجز]
تبادر العضاة قبل الإشراق ... بمقنعات كثعاب الأوراق
المقنع: الفم الذي يكون عطف أسنانه إلى داخل الفم، وذلك القويّ الذي يقطع به كل شيء، فإذا كان أنصبابها إلى خارج فهو أدفق وذلك ضعيف لا خير فيه. والقعاب: جمع قعب.
والأوراق جمع ورق وهو الفضّة، يريد: أنها أفتاء فأسنانها بيض لم تقلح، أي لم تصفرّ.
قال أبو علي: وقد ردّ ما ذكرناه وهو قول الأصمعيّ ابن الأعرابيّ، فقال يقول:
بادرت العضاه برءوس ضخام كأنها قعاب الورق كبرا. وقال: قد تكون قعاب الورق سودا.
قال أبو علي: ويفسد ما ذهب إليه قوله: كأنها قعاب الورق كبرا لأن القعب قدح
(1) المرهاء هي التي لا تتعهد عينيها بالكحل. ط