زكريا بن يحيى الساجي، قال: حدثنا الأصمعي، قال: حدثني بعض العتّابيين قال [1] : كتب كلثوم بن عمرو إلى صديق له: أما بعد أطال الله بقاءك وجعله يمتد بك إلى رضوانه والجنة، فإنك كنت عندنا روضة من رياض الكرم، تبتهج النفوس بها، وتستريح القلوب إليها، وكنّا نعفيها من النّجعة، استتماما لزهرتها، وشفقة على خضرتها، وادخارا لثمرتها، حتى أصابتنا سنة كانت عندي قطعة من سني يوسف، واشتدّ علينا كلبها، وغابت قطّتها، وكذبتنا غيومها، وأخلفتنا بروقها، وفقدنا صالح الإخوان فيها، فانتجعتك وأنا بانتجاعي إياك شديد الشفقة عليك، مع علمي بأنك موضع الرائد، وأنك تغطّي عين الحاسد، والله يعلم أني ما أعدك إلا في حومة الأهل. واعلم أن الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل، ولم يمكنه الكثير لم يعرف جوده، ولم تظهر همّته وأنا أقول في ذلك: [البسيط]
ظلّ اليسار على العبّاس ممدود ... وقلبه أبدا بالبخل معقود
إنّ الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيّا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرّمت عن بذل القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
بثّ النوال ولا يمنعك قلّته ... فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
قال: فشاطره ماله حتى أعطاه إحدى نعليه ونصف قيمة خاتمه.
قال أبو علي: وحدثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن عمه قال:
سمعت أعرابية رجلا ينشد: [الطويل]
وكأس سلاف يحلف الدّيك أنها ... لدى المزج من عينيه أصفى وأحسن
فقالت: بلغني أن الديك من صالح طيركم وما كان ليحلف كاذبا.
[شعر في السعي على المعيشة، والسفر، والمال، وفائدة ذلك كله] :
وأنشدنا أبو عبد الله نفطويه، قال: أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لرجل من العرب كان أبوه يمنعه من الاضطراب في المعيشة شفقة عليه، فكتب إليه: [الطويل]
ألا خلّني أذهب لشأني ولا أكن ... على الناس كلّا إنّ ذاك شديد
أرى الضّرب في البلدان يغني معاشرا ... ولم أر من يجدي عليه قعود
أتمنعني خوف المنايا ولم أكن ... لأهرب مما ليس منه محيد
فدعني أجوّل في البلاد لعلّني ... أسرّ صديقا أو يساء حسود
فلو كنت ذا مال لقرّب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت أنت سديد
(1) انظر: «التنبيه» [101] .