خخخ لم يكن ذاك منه ظلما وهل يظلم ربّ يرجى لحسن المآب [1]
ثم بكى وبكى جلساؤه، ثم أمر الكاتب أن يكتب إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان: أما بعد، فقد كنت أرعى غنمك أحوطها حياطة الناصح الشّفيق برعيّة مولاه، فجاء الأسد فبطش بالراعي ومزّق المرعيّ كلّ ممزّق، وقد نزل بمولاك ما نزل بأيّوب الصابر، وأرجو أن يكون الجبّار أراد بعبده غفرانا لخطاياه وتكفيرا لما حمل من ذنوبه، ثم كتب في آخر الكتاب: [الطويل]
إذا ما لقيت الله عنّي راضيا ... فإنّ شفاء النفس فيما هنالك
فحسبي بقاء الله من كلّ ميّت ... وحسبي حياة الله من كل هالك
لقد ذاق هذا الموت من كان قبلنا ... ونحن نذوق الموت من بعد ذلك
فإن متّ فاذكرني بذكر محبّب ... فقد كان جمّا في رضاك مسالكي
وإلا ففي دبر الصلاة بدعوة ... يلقّى بها المسجون في نار مالك
عليك سلام الله حيّا وميّتا ... ومن بعد ما تحيا عتيقا لمالك
ثم دخل عليه أبو المنذر يعلى بن مخلد المجاشعي وقال: كيف ترى ما بك يا حجاج من غمرات الموت وسكراته؟ فقال: يا يعلى، غمّا شديدا، وجهدا جهيدا، وألما مضيضا، ونزعا جريضا، وسفرا طويلا، وزادا قليلا، فويلي ويلي إن لم يرحمني الجبّار، فقال له: يا حجاج، وإنما يرحم الله من عباده الرّحماء الكرماء أولي الرحمة والرأفة والتّحنّن والتعطّف على عباده وخلقه، أشهد أنك قرين فرعون وهامان لسوء سيرتك، وترك ملّتك، وتنكّبك عن قصد الحق وسنن المحجّة وآثار الصالحين. قتلت صالحي الناس فأفنيتهم، وأبرت [2] عترة التابعين فتبرتهم، وأطعت المخلوق في معصية الخالق، وهرقت الدماء، وضربت الأبشار، وهتكت الأستار، وسست سياسة متكبّر جبّار، لا الدّين أبقيت، ولا الدنيا أدركت، أعززت بني مروان، وأذللت نفسك، وعمرت دورهم وأخربت دارك، فاليوم لا ينجونك ولا يغثونك، إذ لم يكن لك في هذا اليوم ولا لما بعده نظر، لقد كنت لهذه الأمة اهتماما واغتماما وعناء وبلاء، فالحمد لله الذي أراحها بموتك، وأعطاها مناها بخزيك. قال: فكأنما قطع لسانه عنه فلم يحر جوابا وتنفّس الصّعداء وخنقته العبرة، ثم رفع رأسه فنظر إليه وأنشأ يقول: [الخفيف]
ربّ إن العباد قد أيأسوني ... ورجائي لك الغداة عظيم
قال: وحدثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدثنا الحسن بن خضر، عن أبيه، عن بعض ولد علي رضي الله تعالى عنه قال: كان عليّ يعلّم أصحابه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول:
(1) في رواية: ليوم الحساب بدل قوله: لحسن المآب. ط
(2) أبرت: أهلكت وهو من أبرت الكلب إذا أطعمته الأبرة في الخبز. ط