فقال عبد الملك: من يلومني على حبّ هذا! وأمر له بجائزة وقطيعة بالعراق، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الحجّاج عليّ واجد، فكتب إليه بالصفح عنه، وبحسن صلته، فأمر له الحجاج بذلك.
وأنشدنا أبو بكر بن الأنباري، قال: أنشدنا ثعلب، قال: أنشدنا ابن الأعرابي:
[الطويل]
ويأخذ عيب المرء من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب [1]
قال وقال: لنا بعض المشايخ: هذا البيت مبني على كلام الأحنف بن قيس وقاله له رجل: ادللني على رجل كثير العيوب، فقال: اطلبه عيّابا فإنما يعيب الناس بفضل ما فيه.
[الصبر على الهوى عند الهجر والرحيل] :
وحدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه قال: نزلت في واد من أودية بني العنبر وإذا هو معان بأهله وإذا فتية يريدون البصرة، فأحببت صحبتهم فأقمت ليلتي تلك عليهم، وإني لوصب محموم أخاف لا أستمسك على راحلتي، فلما قاموا ليرحلوا أيقظوني، فلما رأوا حالي رحلوا بي وحملوني وركب أحدهم ورائي يمسكني، فلما أمعنوا في السير: تنادوا: ألا فتى يحدو بنا أو ينشدنا؟ فإذا منشد في جوف الليل بصوت ند حزين يقول: [الطويل]
لعمرك إني يوم بانوا فلم أمت ... خفاتا على آثارهم لصبور
غداة المنقّى [2] إذ رميت بنظرة ... ونحن على متن الطريق نسير
ففاضت دموع العين حتى كأنها ... لناظرها غصن يراح مطير
فقلت لقلبي حين خفّ به الهوى ... وكاد من الوجد المبرّ يطير
فهذا ولمّا تمض للبين ليلة ... فكيف إذا مرّت عليك شهور
وأصبح أعلام الأحبّة دونها ... من الأرض غول نازح ومسير
وأصبحت نجديّ الهوى متهم النّوى ... أزيد اشتياقا إذ يحنّ بعير
عسى الله بعد النأي أن يصقب النّوى ... ويجمع شمل بعدها وسرور
قال: فسكنت عنّي الحمّى حتى ما أحسّ بها، وقلت: لرديفي، انزل إلى راحلتك فإنّي مفيق متماسك، جزاك الله وحسن الصّحبة خيرا!
(1) البيت ينسب إلى المستورد الخارجي كما جاء في النسخة المخطوطة المحفوظة بدار الكتب الأهلية بباريس تحت رقم (4236) وقد نبه على هذا المستر كرنكو في تعليقاته على كتاب «الأمالي» . ط
(2) المنقى: موضع بين أحد والمدينة. ط