الأسدي، قال: حدثنا الرياشي، عن العتبي، عن أبيه قال: رأيت امرأة بضريّة [1] جالسة عند قبر تبكي وتقول هذه الأبيات [2] : [الوافر]
ألا من لي بأنسك يا أخيّا ... ومن لي أن أبثّك ما لديّا
طوتك خطوب دهرك بعد نشر ... كذاك خطوبه نشرا وطيّا
فلو نشرت قواك لي المنايا ... شكوت إليك ما صنعت إليّا
بكيتك يا أخيّ بدمع عيني ... فلم يغن البكاء عليك شيّا
وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيّا
قال: وأنشدنا أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش للأبيرد بن المعذّر الرّياحي يرثي أخاه بريدا: [الطويل]
تطاول ليلي لم أنمه تقلّبا ... كأنّ فراشي حال من دونه الجمر
أراقب من ليل التّمام نجومه ... لدن غاب قرن الشمس حتّى بدا الفجر
تذكّر علق بان منا بنصره ... ونائله، يا حبّذا ذلك الذّكر
فإن تكن الأيّام فرّقن بيننا ... فقد عذرتنا في صحابته العذر
وكنت أرى هجرا فراقك ساعة ... ألا لا بل الموت التّفرّق والهجر
أحقّا عباد الله أن لست لاقيا ... بريدا طوال الدّهر ما لألأ العفر
فتى ليس كالفتيان إلّا خيارهم ... من القوم جزل لا ذليل ولا غمر
فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنى ... وإن كان فقر لم يؤد متنه الفقر
وسامى جسيمات الأمور فنالها ... على العسر حتى يدرك العسرة اليسر
ترى القوم في العزّاء ينتظرونه ... إذا شكّ رأي القوم أو حزب الأمر
فليتك كنت الحيّ في الناس باقيا ... وكنت أنا الميت الذي ضمّه القبر
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... إذا السّنة الشّهباء قلّ بها القطر
كأن لم يصاحبنا بريد بغبطة ... ولم تأتنا يوما بأخباره البشر
لعمري لنعم المرء عالى نعيّه ... لنا ابن عرين بعد ما جنح العصر
تمضّت به الأخبار حتى تغلغلت ... ولم تثنه الأطباع عنا ولا الجدر
(1) ضرية: قرية بنجد في طريق البصرة إلى مكة وينسب إليها حمى ضرية، ينزلها حاج البصرة لها ذكر في أيام العرب وأشعارهم. ط
(2) الأبيات لأبي العتاهية يرثي علي بن ثابت وكان مؤاخيا له. انظر: «أمالي الزجاجي» (ص 95) .
و «الأغاني» (4/ 1258) .